• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الاستراتيجية البيئية

    بمناسبة فتح وزارة البيئة النقاش حول برنامج عملها للسنوات الثلاث القادمة، تطرح علامات استفهام عدة حول الخلفيات الفكرية والإستراتيجية (البيئية) التي على أساسها حددت خطط وبرامج العمل؟

    لعل أول مهمة تقوم بها أي إستراتيجية بيئية، هي الإجابة عن الأسئلة التالية: إستراتيجية لمن؟ وما هي المعطيات المتوافرة عن الموضوع؟ وإلى أين تريد أن تصل (الهدف البعيد)؟ وما هي القيم التي تريد تحقيقها وكيفية تحديدها؟ والأولويات وكيفية اختيارها؟ والمعايير التي على أساسها تم اختيار الأولويات؟ فإذا سلمنا جدلا أن هناك الكثير من الدراسات التي تتناول مشاكل البيئة في لبنان، ولا سيما في أبعادها المادية كافة (مع الإشارة إلى ضرورة تحديثها بشكل دائم)، أصبح من أهم مهام الإستراتيجية ان تحدد الأولويات للمعالجة، إذ لا يمكن معالجة كل شيء في الوقت نفسه وبالطرق نفسها.

    فما هي المعايير التي تحدد تلك الأولويات؟ فإذا كانت القضية البيئية بشكل عام، تتحدد باعتبارها اختلالا ما في النظم البيئية نتيجة سوء تفاعل الإنسان مع الطبيعة في نشاطه الاقتصادي والإنتاجي والاستهلاكي، مما ينعكس سلبا على مقومات الحياة ويهدد ديمومتها ومصير النوع الإنساني نفسه… تصبح الإستراتيجية المطلوبة هي من اجل إعادة التوازن الى المنظومات البيئية التي تأسست عليها الحضارة الإنسانية، عبر إعادة النظر بالمنظومات الاقتصادية والاجتماعية والقيمية التي تسببت بها. أي إعادة النظر بكل السياسات التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والزراعية والإنمائية… الخ
    انطلاقا من ذلك، فإن الإستراتيجية البيئية المطلوبة هي إستراتيجية الدولة، يمكن ان تضعها وزارة، ولكن على مجلس الوزراء ان يناقشها ويدرسها، كونها تتعلق بإعادة النظر بكل السياسات، أي بعمل وإستراتيجيات كل الوزارات تقريبا.

    ولكن السؤال البديهي الذي يطرح، لماذا على الإستراتيجية البيئية ان تكون فوق كل الاستراتيجيات وملزمة لكل الوزارات؟

    ان الإستراتيجية البيئية لا يمكن إلا أن تكون إستراتيجية الدولة، كون هذه الأخيرة، هي المؤتمنة على سلامة الموارد واستدامتها، كأحد أهم مهماتها… وكون أي من القطاعات والوزارات، لا يمكنها ان تعمل من دون موارد. وإذا كان هدف الإستراتيجية البيئية حفظ الموارد وحماية استدامتها والمحافظة على مقومات الحياة (من هواء وماء وتربة وطاقة وتنوع بيولوجي…)، فعليها حينها ان تكون فوق الجميع، لأن لا قيمة أعلى وأغلى من الحياة نفسها. أما مسألة تحديد الأولويات في المعالجة، فهي تبدو الأصعب في وضع الإستراتيجية في بلد مثل لبنان، طال غياب الدولة الأمينة عنه، وتراكمت المشكلات حتى أصبحت كلها خطرة وأولويات.

    فإذا كانت الأولويات في المعالجة هي للأخطر من المشكلات، وجب أن نسأل: ما معنى الأخطر؟ والأخطر بالنسبة لمن؟

    تسلّم الأكثرية من النوع الإنساني، منذ تأكدها من حتميات الموت، أن «الأخطر» بالنسبة لها، هو ما يهدد الحياة بالموت. كما تسلم بوجود مخاطر تهدد أنواعا مختلفة من الأمن (الاقتصادي والغذائي والصحي والاجتماعي والسياسي والشخصي)… ولكنها جميعا يمكن أن تندرج تحت عنوان الأمن الحياتي أو البيئي، الذي يربط بين كل هذه الأنواع. مما يعني أن «الأمن» أو «الأمان»، هو المفهوم المقابل للخطر الذي يفترض تحاشيه في أية إستراتيجية. وهكذا يمكن أن نقول ، إن ما يشكل خطرا على الفرد يصبح أخطر إذا ما هدد الصحة العامة (عامة الناس)، وأخطر إذا ما هدد النظام الاجتماعي، وأخطر إذا ما هدد الطبيعة ونظامها وتنوعها البيولوجي؟

    ان علاقة الإنسان مع الطبيعة، شبيهة بعلاقة الجنين بأمه. فكما نختار إنقاذ حياة الأم إذا خيرنا بين إنقاذ حياتها او إنقاذ الجنين، كونها تستطيع أن تنجب غيره إذا استمرت في الحياة، وكونها هي المولدة للحياة… كذلك علينا أن نختار «صحة الطبيعة» إذا خيرنا بينها وبين صحة مجموعة من أفراد النوع الإنساني، كونها هي الأم الأعلى الواهبة لحياة الأنواع كلها.

    وعبثا نحاول ان نبحث بعد ذلك عن الأولويات بين تلوث الهواء او التربة او المياه او انقراض الأنواع او صحة الإنسان، فليس في الطبيعة أول وثان او مهم وأقل وأكثر أهمية، بل نظام متكامل وشبكة حياة، الكل مرتبط بالكل بشكل شبه دائري، ولكل كائن دوره وأهميته في هذا النظام. وتصبح الأولوية لمعالجة كل ما يخل بالنظام وما يهدد الحياة واستدامتها.

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    16.02.2010

    Leave a Reply