• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ضرائب من دون مقابل

    استذكر اللبنانيون رئيس حكومتهم الشهيد رفيق الحريري من مقاربات مختلفة ومتباينة، وإن أجمعوا على أنه رجل استثنائي صاحب إنجازات استثنائية، وهم لا يحظون بأمثاله كل يوم.

    على كل حال، فإن أنصار المشروع الاقتصادي للرئيس الراحل ومناهضيه يجمعون على أن الرجل كان صاحب مشروع كبير، وأنه غيّر واقع الاقتصاد اللبناني بعد الحرب وصورته تغييرا جذريا، من خلال توجّه واضح المعالم والأهداف.

    وأخشى ما يخشاه المراقبون للسياسات الاقتصادية في لبنان اليوم، بعد هدوء العواصف السياسية وانتظام المؤسّسات الدستورية، أن تكون الدولة قد فقدت مع رفيق الحريري البوصلة الاقتصادية والمشروع الاقتصادي.

    فقد عقدت آمال كبيرة على حكومة الوحدة الوطنية، لأن اتحاد القوى السياسية الرئيسية في حكومة واحدة، وبوجود نخبة من أصحاب التجربة والاختصاص في صفوفها، يؤهلها لإعادة صياغة السياسة الاقتصادية من جديد وإرسائها على قاعدة التوافق الوطني الشامل هذه المرّة. ويتيح ذلك، بل يفرض، أن تستهدف هذه السياسة وضع مشروع اقتصادي وطني يتصدّى للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الملحة في البلاد، بأبعادها المالية والإدارية والاجتماعية والتنموية والبيئية والصحية والتعليمية وسواها.

    كان بالإمكان القول إن الحكومة تحتاج إلى بعض الوقت لوضع هذا المشروع الشامل، ولكن ما يتسرّب بين الحين والآخر عن إعداد موازنة العام الجاري، المتأخرّة أصلا، يوحي بعدم وجود اتجاه أو تصوّر شامل للإصلاح وتحقيق التنمية والتوازن الاجتماعي. فهمّ الحكومة على ما يبدو هو مجرد تأمين موارد إضافية لتغطية النفقات الجارية ومنع تفاقم العجز، دون نيّة لتغيير محسوس في نوعية النفقات ورفع الاعتمادات التي تزيد النموّ وتحقق التنمية وتنصف الفئات المهمّشة في المجتمع.

    فالمشاورات السياسية، ومع الهيئات الاقتصادية، تستهدف تسهيل الاتفاق على زيادة الضرائب على القيمة المضافة وأرباح الشركات، ومساهميها، وعائدات الودائع المصرفية.

    إن حسابا بسيطا لعائدات الزيادات الضريبية المذكورة، بالاستناد إلى حاصلات السنوات الثلاث الأخيرة، يبيّن أنها، في حال إقرارها، لن تحدث تغييرا ملموسا في هيكلية إيرادات الدولة من حيث توزعها على فئات المجتمع. ولكنها ستزيد العبء الضريبي على اللبنانيين بشكل عام دون مقابل اقتصادي أو اجتماعي يفيدهم في حاضرهم ومستقبلهم.

    ومن البديهي أن ينوء ذوو الدخل المحدود والفقراء تحت عبء الزيادات الضريبية الجديدة، لأن الضرائب التي تغرّم الاستهلاك ستبقى قريبة من ثلثي العائدات الضريبية ككل. وإذا كانت الدولة ستموّه هذه البنية الضريبية الظالمة بزيادات على الأرباح والفوائد، فإن الضرائب المباشرة برمتها، بما فيها الضريبة على رواتب الموظفين والمستخدمين، لن تزيد عن ربع العائدات الضريبية. فضلا عن ذلك، هناك مروحة واسعة من الأرباح معفاة عمليا من العبء الضريبي، بسبب التهرّب الضريبي الشائع في لبنان، أو لأنها تتحقق بواسطة أفراد لا يمارسون أعمالهم عبر الشركات.

    من غير المتوقع أن يتقبّل المجتمع اللبناني زيادات ضريبية من دون تقديمات وإصلاحات مقابلة. وعندما تعهّدت الحكومة اللبنانية في البرنامج الذي قدّمته إلى مؤتمر باريس 3 بزيادات ضريبية مشابهة للزيادات المقترحة اليوم، فقد ضمّنت برنامجها وعودا بإصلاحات واسعة تشمل الحوكمة في الإدارة العامّة، والإصلاح المالي، وتطوير شروط بيئة الأعمال، إضافة إلى برامج اجتماعية متنوّعة. وقد سهل ذلك موافقة المعارضة (السابقة) في البيان الوزاري للحكومة الحالية على التعهّدات المقدّمة إلى باريس 3.

    وليس واقعيا أن تتقدّم الحكومة بالمشاريع الضريبية وتغفل الوعود التي قطعتها في البيان الوزاري، الذي تضمّن العديد من التوجّهات السليمة والمبادئ السامية. لقد وعد البيان الوزاري بتعميم فوائد النموّ الاقتصادي على اللبنانيين، ومكافحة الفقر والتفاوت الاجتماعي، وتطوير الميزات التفاضلية للاقتصاد اللبناني، وتطوير البنية التحتية المادية والمؤسّساتية والتشريعية لتحفيز النموّ، ناهيك عن وعد صريح بتطبيق الإصلاح الاقتصادي والعمل على رسم سياسة اجتماعية تساهم في تأمين الحاجات الأساسية للمواطنين وتحفيز النموّ والتنمية المناطقية. كما وعد البيان برسم سياسة اجتماعية لتوفير الحاجات الأساسية للمواطنين.. ولأوّل مرّة تعدّد حكومة، وتتبنى، في بيانها الأوّل أهم أولويات المواطنين وتعد بإيجاد الحلول لها.

    من الأفضل أن تظهر الحكومة، بيد، خريطة طريق واضحة وذات صدقية لتحقيق هذه الأهداف والمكاسب، حتى تستطيع أن تحمل، بيد أخرى، مشروعا لزيادة الضرائب.

    غسان العيّاش
    جريدة السفير
    16.02.2010 

    Leave a Reply