• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الضائقة اللبنانية تنتج خرافاتها حول كارثة الطائرة الأثيوبية

    فاجعة سقوط الطائرة الأثيوبية قبالة الشواطئ اللبنانية لم تقتصر نتائجها على أهل ركابها وأقاربهم وأصدقائهم. فقد كشف ما أثارته من إشاعات وتوقعات وخرافات، عن فراغ كبير نحاول تعويضه كل يوم بما لا يُحصى من الحكايات التي تواترت وتناسلت في أعقاب سقوط الطائرة. وفي ظل هذه الحكايات بدا الأهالي المفجوعون بأبنائهم وآبائهم وأقاربهم أكثر عقلانية في توقعاتهم من غيرهم من الفئات اللبنانية. كيف لا وهؤلاء جل ما يريدونه هو، بالإضافة الى جثامين ضحاياهم، الحقيقة التي يعرفون أن أقربها الى الواقع أكثرها تجرداً من الخيال.

    وفي الانتقال الى غيرهم من فئات المجتمع اللبناني، كشفت الكارثة الجوية «أزمة معرفية» لا قعر لها، كان المرء يعتقد بأن الوعي اللبناني لم يصل في انحطاطه الى مستوياتها. فالدلالات التي حفلت بالروايات الشفهية التي تناقلها لبنانيون كثر عما يعتقدونه من أسباب لسقوط الطائرة، تنتمي الى منظومة الأوهام التي تكابدها المجتمعات في أقصى لحظات تأزمها. أما وسائل الإعلام فعكست قدراً من هذا التأزم فاق الدلالات التي حملتها الإشاعات الشفهية.

    فلنستعرض بعض ما راود لبنانيين كثيرين حول فاجعتهم بمواطنيهم ركاب الطائرة الأثيوبية:

    – واحدة من الإشاعات أشارت الى ان الطائرة سقطت مقابل منطقة الناعمة جنوبي بيروت بفعل صاروخ يُحتمل أنه أُطلق من موقع الجبهة الشعبية – القيادة العامة الواقع في مقابل المنطقة التي سقطت فيها الطائرة. وأول ما يتبادر الى ذهن مستقبل هذه الاشاعة ان مصدرها وعي لبناني، أو «لا وعي لبناني» حاول الزج بالمأساة في سياق الخلاف اللبناني حول السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. وهذا الأمر، إن أشّر الى شيء، فهو يؤشر الى عقم النقاش حول هذا السلاح. فالاعتماد على خرافة للقول بضرورة سحبه مستمد من يأسٍ ناجم عن شعور بتداعي الحجج الواقعية، أو بعجزها عن مساجلة هذا السلاح. علماً ان هذا الأخير تم التوافق على ضرورة سحبه في مؤتمر الحوار الوطني بين مختلف الأطراف في لبنان، ولا يحتاج سحبه الى مخيلة جامحة تسوّق حادثة سقوط الطائرة مع ما يستتبع ذلك من لعب بمشاعر الناس حولها.

    – الاشاعة الثانية تحدثت عن تفجير استهدف الطائرة لأنها تقل متمولين شيعة بعضهم قريب من «حزب الله». سرت هذه الإشاعة في أوساط شيعية، واستكمل الخيال الذي أنتج حبكتها بأن الحزب الله يعرف حقيقة ذلك تمام المعرفة وأنه لا يريد كشفه لما قد يسببه من ذعر قد يدفع الى الامتناع عن السفر على متن طائرات تُقل شيعة لبنانيين.

    المخيلة التي أنتجت هذه الحبكة الركيكة، وهي متشكلة من وعي صادر عن «ضائقة شيعية لبنانية»، أقامت سردها على عنصرين متقابلين، هما أولاً شعور بالاستهداف من قوى غامضة وغير محددة، وهو أمر ناجم عن تضخم الأنا بفعل وهم «الإنجازات والانتصارات»، وثانياً، قناعة لا تهتز بأن «حزب الله» يعرف كل شيء، ومدرك ما يفعل وما لا يفعل، وهو وإن كان ضحية، في حالة سقوط الطائرة، فإنه لن يلبث أن يتحرك عما قريب.

    – أما الظاهرة الثالثة التي رافقت الفاجعة، فتتمثل في انكشاف إعلام لبناني أمام دفق الخرافات. وقد أبلى الإعلام العوني (تلفزيون «أو تي في») بلاء لا يقل في اعتناقه الخرافة عن ذلك الذي حفل به اللاوعي الجماعي المضطرب. فأن تتصدر نشرات أخبار ذلك الإعلام «أخبار» عن قيام السفينتين، الأميركية «يو أس اس راميج» والبريطانية «أوشين آليرت»، باستغلال طلب الحكومة اللبنانية مساعدتهما في عمليات البحث عن حطام الطائرة، ومباشرتهما البحث عن كنز يُقدر حجمه بنحو 450 كيلوغراماً من الذهب موجود قبالة الشواطئ اللبنانية منذ عقود طويلة، فإن ذلك أشد غرابة في مفارقته من تلك الأوهام التي راودت لبنانيين بفعل سقوط الطائرة. واذا كان وهم اسقاط الطائرة بصاروخ أطلقته «القيادة العامة» أو بتفجير «استهدف حزب الله»، صورة عن ضائقتي الجماعتين اللتين تولى خيالهما انتاجها، فإن الضائقة العونية التي أنتجت الرواية الثالثة أشد اضطراباً. فهي تستعين ببعد أسطوري تستعيض به عن خواء الراهن من أيامها. فالجماعة التي يُخاطبها هذا الكلام لا وقائع راهنة تركن إليها في سعيها الى انتاج خرافاتها، ولذلك يبدو أنها لجأت الى روايات «سندبادية» هزيلة، في حين تحفل أيام الجماعات الأخرى بما يُمكّنها من انتاج خرافات موصولة بالراهن من أيامها، وإن صدرت عن مخيلات جامحة.

    لكـــن الصـــادم هنا يتمثل في عدم صدور الرواية العونية للكارثة عن «لا وعي عام»، إنما عن منطقة من المفترض ان يتكثف فيها عقل الجماعة ووعيها. انها وسيلة الإعلام التي من المفترض ان تتردد قبل ان توثّق خبراً، فما بالك بخرافة يستحيل سوقها الا في الكتب غير المدرسية لأطفال دون العاشرة.

    لكن ما أثارته الكارثة لم يُبق الضائقة اللبنانية في حدودها الوطنية، فالجالية الأثيوبية وبحكم انخراطها في حفلة انشطار اللاوعي اللبناني، وجدت نفسها مسوقة إليه. فالخبر غير الموثق الذي بثته وكالات أنباء نقلاً عن مصادر في التحقيق في حادث سقوط الطائرة، والذي يفيد باحتمال ان يكون سقوطها ناجماً عن خطأ ارتكبه قائدها الأثيوبي، هذا الخبر دفع أفراداً من هذه الجالية الى شعور بالاستهداف تقف وراءه دوائر غامضة، فراحوا يتحدثون عن ان هذا الخبر مصدره «جهات» تحاول التستر على السبب الحقيقي لسقوطها. ومن سمع هؤلاء يتحدثون على شاشات التلفزيون شعر بأنهم يحاولون القول انهم يعرفون سبب سقوط الطائرة ولا يستطيعون كشفه.

    واذا كانت للفئات اللبنانية الثلاث ضائقاتها التي تُفسر بعضاً من مكامن أوهامها، فإن لأفراد الجالية الأثيوبية ضائقتهم أيضاً، فهؤلاء محاصرون أصلاً، وقبل سقوط الطائـــرة، بموقعهم في مجتمع قليل الحساسية حيال مجموعات مختلفة في اللون، وحيال عمالة أجنبية جاءت ملبية احتياجاته وتطلباته وأن تُضاف الى ذلك الحصار تهمة التسبب بسقوط الطائرة لمواطن من بلدهم، فالأمر يخرج عن كونه خطأ يمكن ان يقع فيه أي قائد لطائرة مدنية. اذاً لا بأس في الانخراط في محفل الخرافات اللبنانية.

    حازم الأمين
    جريدة الحياة
    14.02.2010

    Leave a Reply