• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    رسالة الى اللبنانيين

    نحن الآن في 14 شباط 2010.

    قبل هذا التاريخ بأعوام ودهور، كانت حريتنا هي المبتغى. بعد هذا التاريخ بأعوام ودهور، ستظل حريتنا هي المبتغى. لم يتغيّر شيءٌ عظيم في التي نسمّيها حياتنا ومصائرنا والبلاد، لكي تتغيّر مسلّماتنا هذه. وعليه، فإن طريقنا هي هي. لن نسلّم كلماتنا. لن نهادن في ما يتعلق بمسألة الحرية، وإن تغيّرت الظروف والمعطيات والأحوال.

    هذا هو مشروعنا الثقافي العام، وهو لا يتصل باستحقاق، ولا بموعد، ولا بذكرى. فهو الكائن قبل كل استحقاق وموعد وذكرى. وهو المواظب أثناء كل استحقاق وموعد وذكرى. وسيظل موجوداً وقائماً وباحثاً عن سبل تحققه ما دام هناك نسمة أمل وحلم وخيال. وإن تكن هذه النسمة محض نسمة يائسة فحسب. وإن يكن المكان هذا محض غابة متورمة بالوحوش فحسب.

    وإذا لم يكن من الضروري أن نرفع الشعارات والبيارق المهوبرة، ونعلن “الحروب”، “حروب” اللفظ الفارغ من معناه، فسيكون من الضروري دائماً وأبداً أن نذكّر أنفسنا والقرّاء، ونحضّ، بأننا لن نضجر من البحث عن هذه الحرية، ولا من البحث عن سبل التربية عليها، واقعياً ورمزياً، مادياً ومعنوياً، وعلى كل المستويات، حتى يصير الواحد منا فرداً حرّاً، ويصير هذا الفرد الحرّ مواطناً حرّاً في دولة حرّة.

    أتحدث عن الدولة لا بوصفها حلماً رومنطيقياً ساذجاً وإنما بوصفها إطاراً واقعياً، ديموقراطياً ومدنياً وعلمانياً. أتحدث عنها لا بوصفها بنيةً تقنية فحسب، وإنما حلاًّ.

    خارج ذلك، بدون ذلك، لن نتوصل الى شيء دولتيّ يُذكَر. بلى: نأكل أنفسنا، ويلغي بعضنا بعضاً، على غرار ما تفعله الوحوش في البرّية المطلقة.

    بل هذا ما نفعله عملياً، لا ما تفعله الوحوش فحسب. فنحن في الواقع الفعلي للأمور لا دولة عندنا، ونحن في الواقع الفعلي للأمور نريد أن نظل بدون دولة. بل خارجها. وعليه، فليس من حلّ في الواقع المنظور، وليس من بنية.

    اللبنانيون، ولا أعفي نفسي، أعداء الدولة قبل أن يكون لهم أعداء آخرون. وهم أعداء البنى الدولتية لأن عندهم من البنى الموهومة، الموازية والمضادة، يتوهمونها تُغنيهم عن كل ما عداها.

    لا أستثني أحداً، أو جهة، أو طائفة، أو مذهباً، أو قبيلة، أو مافيا، أو ميليشيا، أو أزعر، أو قطيعاً، وإن أكن لا أوازن بين أفعال هؤلاء وأفكارهم وأدوارهم، سلباً وإيجاباً.

    فنحن اللبنانيين، لنا دولة الطوائف والمذاهب والعشائر والمافيات والميليشيات والزعران والقطعان.

    ولنا دولة المصالح الفئوية والمطامع والمطامح والاستثمارات والسرقات وعمليات النهب والاقتطاع.

    ولنا دولة الفساد في الضمائر والأيدي والقلوب والقيم والأخلاق والمعايير.

    ولنا دولة الأنا تلغي ما عداها.

    ولنا دولة الوصايات والديكتاتوريات والظلاميات والأصوليات والغرائزيات والتكفيرات وإلباس التهم والأوزار من كل حدب وصوب.

    ولنا دولة الوحول، بل دولة الموت، ونحن والغون فيها، ولا استثناء.

    وإذا أوغلنا قليلاً في الوصف والتأويل، فهذه كلّها مفضية الى الطرق المسدودة. وإذا أكملنا الوصف المفضي فإلى دولة الهاوية.

    نحن اللبنانيين، ما إن نسمع النداء، نداء هذه المذكورة آنفاً، وأعلاه، حتى نهبّ الهبّة النكراء، فلا نعود نلوي على شيء من علوم الدول وأحكامها.

    بل نلوي. نمعن فيها تمزيقاً وتشويهاً، على غرار ما تفعل الوحوش عندما تقع الفرائس. وبئسَ الفريسةُ عندما تكون الدولة، أو أطيافها، هي الفريسة.

    لا أبشّر باليأس. أصف الواقع اللبناني فحسب.

    مجمِّلو هذا الواقع كثر، لكننا لن نكون منهم.

    أتوقف عند ثلاثة، هي مكوّنات الجمال والخيال والأمل:

    لا شيء جميلاً في هذا الواقع إلاّ ما بقي من بعض جمال طبيعي لم تفتك به، بعدُ، سنابكنا المتوحشة.

    لا شيء جميلاً في هذا الواقع إلاّ بعض قيم وأفكار وأحلام وأفراد أحرار “خرجوا” وحيدين وعزّلاً على دولة القطعان واليأس هذه.

    لا شيء جميلاً في هذا الواقع إلاّ ما ينتجه قلائل أو كثر من شعب أوادمنا وعمّالنا وفلاّحينا وأدبائنا وفنّانينا ومثقفينا.

    لا أبشّر باليأس ولا أستسلم له. أصفه فحسب. ولأنني أصف، فأنا أذكر بالإسم ما ينبري لهذا اليأس العميم، ويتحداه، ويقف في وجهه.

    هذا الجمال المثلّث الباقي، هو نواة المشروع الثقافي العام، وهو المسؤول عن مواصلة البحث عن الحرية وسبل إقامتها على أرض الواقع.

    ***

    نحن الآن في 14 شباط 2010.

    فلنتذكّر جميعنا هذا التاريخ، لنتعظ جيداً بما قبل، ولنستشرف ما بعد.

    لا حلّ لنا إلاّ بالدولة الديموقراطية المدنية العلمانية. وهذه لا تكون إلاّ بالحرية.

    كنتُ كتبتُ قبل نحو أسبوعين عن شرف الكتابة وشرف الحياة. وهذان لا قيمة حقيقية لهما في رأيي المتواضع خارج ما أصف وأسمّي.

    نحن اللبنانيين، نقيم في الجهة المضادة من شرف الحياة. علينا أن نجتاز النهر الخضمّ وإن يكن علينا أن نجازف بحياتنا المسخ التي نحياها.

    بين حياتنا المسخ هذه وخطر المجازفة، ليس أمامنا خيار ثالث.

    من هذا المنبر، أدعو الى المجازفة أياً تكن العاقبة.

    لا أبشّر باليأس. أحرّض ضدّه فحسب.

    ***

    نحن الآن في 14 شباط 2010.

    يستطيع أمراء الطوائف وزعماء الطبقة السياسية أن يتفقوا في ما بينهم، أو أن لا يتفقوا. يستطيعون أن يهربوا الى الأمام، أو أن يتراجعوا الى الوراء.

    يستطيعون أن يجرّوا القطعان الى حروب أبدية، أو أن يعقدوا اتفاقات هدنة موقتة وكاذبة ومهينة تومئ الى ما يحضّرون له من ويلات ودمار. شيء واحد لا يستطيعون أن يهربوا منه، مهما يطل الزمن: الرضوخ لسلطان الدولة المدنية.

    قد يبدو مشهد الدولة الآن وفي الغد القريب ميؤوساً منه: كتلة متنافرة من الورم الظلامي، نحن بعض عناصره. هذا صحيح. لكن فكرة الدولة هي التي ستنتصر على هذه الكتلة المتنافرة من أفكار أمراء الطوائف وزعماء الطبقة السياسية وقطعانهم.

    لقد أُهدِر دمٌ عزيز، بعضه توأم دمي الشخصي، في سبيل شرف الكتابة والحياة، ومن أجل الحرية والديموقراطية والاستقلال. لكن شيئاً واحداً لن يذهب إهداراً: مشروع تحويل لبنان فضاءً دولتياً حياً للديموقراطية، من أجل نفسه ومن أجل العالم العربي، وفلسطين في المقدمة. عاجلاً أم آجلاً، سنجد أنفسنا أمام هذه الحقيقة التاريخية: الاستبداد السياسي والأمني والديني والطائفي لا يمكنه أن يظل يحكم العقول، لا في لبنان، ولا في المنطقة العربية. هذا هو سرّ حركة التاريخ. ولبنان يجب أن يكون مركز هذا السرّ. مهما يكن المشهد اللبناني الراهن سوداوياً وكارثياً، فإن هذا المشهد سيتغيّر بحكم المنطق التاريخي للأمور.

    لا الحركة الصهيونية والتطبيع سينتصران في المنطقة، أو سنسمح لهما بأن ينتصرا، ولا نظام الاستبداد الشرقي. نحن محكومون بهذه الرؤية الاستراتيجية المزدوجة للتاريخ. ومن مسؤوليات الكتابة أن تظل أمينة لهذه الرؤية. هذا هو شرف الكتابة. ولا تحميه إلاّ الحرية، بما تستوجبه من شروط ومعايير يجب إشاعتها في الواقع السياسي والمجتمعي والثقافي.

    نحن الآن في 14 شباط 2010.

    لم يتغيّر شيء جوهري في معاييرنا الأخلاقية والثقافية، ولا في أهدافنا. صحيح أن اليأس مدلهمّ، وعناصره شبه مستتبة في مكوّنات المشهد الوطني والسياسي العام، إلاّ أن شرف الكتابة المزلزِلة لا يتمغنط إلاّ بالجوهر، أكان جوهر الخلق الأدبي والفني أم جوهر الحرية. كلاهما لا بدّ أن يلتقيا حيث يلتحق نهر الحياة بنهر الخلق. ولا مفرّ!

    عقل العويط
    جريدة النهار
    14.02.2010

    Leave a Reply