• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    شباب لا ينوءون تحت ثورة الأرز

    كان ذلك اليوم منذ خمس سنوات بارداً كمثل صقيع أيام شباط من كل سنة. كان مختلفاً، حاداً في معانيه، متطرفاً في صفاته: حزين، وثائر، وغاضب، ودامع، ومنكسر، وغامض فيما ستحدده ساعاته الآتية، ودقائقه السريعة المنطلقة صوب المجهول. لا شك في أنه رسم خطاً أحمر فاصلاً بين خيارين لا ثالث فيهما: الانبطاح أمام يأس الموت أو إعلان ثورة ستشق طريقها فيما بعد نحو حلم بعيد كنجمة، سيصبح بعد قليل من وقت حقيقة ساطعة كنور شمس في يوم صيفي.

    يومها كان خبر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بمثابة فاجعة لكل لبنان. لحظات عابثة لفقدان رب منزل الوطن على غفلة من أحبائه على مدّ مساحة البلد وما يتخطاه إلى كل بقاع العالم. ركض الشباب في الطرقات، انتشروا قرب موقع الإنفجار في السان جورج ثم في شارع الحمرا أمام مستشفى الجامعة الأميركية. كانوا مبعثرين، يسألون باستعجاب من لا يصدق أن رجلاً كبيراً أعطى للبنان الكثير يرحل سريعاً ويترك وراءه ثقلاً كبيراً لا يبدّده وقع المصيبة وتصديق الفاجعة.

    “ما العمل”؟ سؤال عفوي حفر كمطرقة في رأس الشباب، سرعان ما لاقى إجابة سريعة بقرار النزول إلى ساحة الشهداء. الساحة نفسها التي كانت لسنوات طويلة خلت، شاغرة من روح شبابية ثائرة ونضال سيتبلور مع قدوم ساعات الليل والأيام المقبلة. إلى تلك الساحة الغنية بمعانيها النضالية منذ تاريخ لبنان توجهوا، فلبست زي الخيم البلاستيك التي نصبها الشباب سريعاً لتقيهم سيل مطر لم ينقطع في ذلك الليل. هنا على تلك البقعة “غرفة العمليات” وما تتطلبه من عصف ذهني للقيادات الشبابية الحزبية بالتفكير في خطواتهم اللاحقة ثم مناقشتها مع شباب الأحزاب الأخرى ليرسوا على تحديد أجندة عمل اليوم التالي وما سيليه. في تلك الليلة غفى الشباب قليلاً داخل برودة الخيم حالمين بتحقيق شعارات “لبنان أولاً” و”حرية سيادة استقلال” وخروج الجيش السوري من الأراضي اللبنانية وصولاً إلى إنشاء محكمة دولية خاصة باغتيال الرئيس الشهيد ورفاقه.

    ذلك النهار الأسود سيفرض بثقله ممراً حتمياً إلى أيام مقبلة أقل تشاؤماً. لن يعود الشباب إلى بيوتهم، سينظمون في اليوم التالي جنازة جماهيرية مهيبة وفي الأيام التالية أنشطة وطنية يستخدمونها كوسيلة ضغط لتحقيق مطالبهم. سيرسمون العلم اللبناني بالبشر ويصنعون سلسلات بشرية ويلقون خطابات نارية. لن يهدأوا ، هم باقون في الساحة، يحمون الضريح ويحتمون فيه.

    اليوم وبعد خمس سنوات، وكما في كل عام تفرد الساحة يديها لاحتضان شبابها من جديد. عروس هي الساحة في هذا اليوم بألوان الأعلام اللبنانية والشعارات الوطنية وآلاف الشباب الواقفين فيها.

    كيف ترى كل من القيادات الحزبية الشبابية (سمير العشي عن تيار المستقبل ـ شربل عيد عن القوات اللبنانية ـ ريان الأشقر عن الحزب التقدمي الإشتراكي ـ ريان إسماعيل عن حركة اليسار الديمقراطي ـ أيمن مهنا عن حركة التجدد الديموقراطي ـ باتريك ريشا عن الكتائب اللبنانية) ذلك اليوم ومقارنته مع ذكرى هذا العام؟ ما هي قراءة كل من هذه القيادات للتطورات السياسية اللاحقة لـ14 شباط 2005؟ وهل تشارك الأحزاب نفسها صانعة “ثورة الأرز” في ذكرى هذا العام؟

    يرى العشي أن 14 شباط عام 2005 شكل انطلاقة ثورة الشباب ورسالة مفادها “أننا لن نسكت ولن نقبل بالظلم”. حمل ذلك اليوم إصراراً كبيراً على تحقيق الشعارات التي رفعها الشباب اللبناني مع كل نعش علا على الأيدي. فهو “بداية المعركة” كما يصفه إسماعيل و”الانتفاضة الشعبية بعد الانفجار الكبير” بحسب الأشقر. أما الأهم بحسب القيادات الشبابية هو أن ذلك اليوم كان عابراً للطوائف ودفع اللبنانيون ثمن الانتفاضة أغلى شهدائهم. “ناضلنا كرمال مجموعة أهداف وأهمها انطلاق شرارة مصالحة ومشاركة لبنانية مبنية على مطالب مشتركة لبلد حر سيد مستقل” يقول مهنا، فيما يصف عيد ثورة الأرز بأنها “عجيبة من عجائب لبنان التي كرست مفهوم لبنان أولاً” وهي عند ريشا “الموجة التغييرية ضد الوصاية السورية والطبقة الحاكمة اللبنانية”.

    في الخمس سنوات الماضية حقق الشباب الكثير، والأهم على حد تعبيرهم أنهم أعطوا أملاً للشباب اللبناني بإمكانية التغيير من الداخل وتحقيق أحلامهم الوطنية. نضال طويل ستكون 14 شباط 2010 محطة من محطاته. لكن لهذا العام صفة مختلفة “فيها الكثير من الانتصار”، على حد قولهم. هو عام تحقيق الشعارات على الرغم من أن المسيرة ما زالت مستمرة للبعض منهم.

    “في العام 2010 نثبت كشباب أن الرهانات والشعارات التي تبيناها كانت حقيقية وصحيحة” بحسب تعبير العشي. “هي مرحلة من نوع آخر تفصل بين إعلان الثورة وتحقيقها” يقول اسماعيل الذي يؤكد أن “هذا العام يمثل معركة تثبيت الإنجازات”. وهو ما يراه الأشقر أيضا في “عام تحقيق الأهداف” وذلك بحسب تعبيره بعد إسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي وتحقيق العلاقات الدبلوماسية بين سوريا ولبنان، وتفكيك الجهاز الأمني السوري -اللبناني. أما مهنا فيرى “أن شعلة الأمل موجودة والتغيير طال ميادين عدة لكن مسيرة بناء الدولة الحديثة لم تكتمل” وهذا برأيه ما يعكسه الوضع الأمني السياسي والضغوطات الخارجية على لبنان وتسلط المعارضة. يوافقه على ذلك عيد الذي على الرغم من تفاؤله بتحقيق الكثير من الشعارات إلا أنه يرى أن مسألة “السلاح غير الشرعي والعلاقات الدبلوماسية الطبيعية وترسيم الحدود لم تتحقق بعد”. موقف يبدو قريباً أيضاً لريشا الذي يعتبر انه “في المرحلة الماضية وضعنا الإصبع على الجرح والان يجب الإنتقال إلى مرحلة لاحقة مثل الدولة الحديثة وتطوير النظام السياسي في لبنان”.

    لكل منظمة شبابية رأيها في قراءة المرحلتين، أي مرحلة بداية الثورة ومرحلة تحقيق معظم الشعارات التي رفعتها. فبعد 5 سنوات ما زال الشباب اللبناني حريصاً على إثبات هذه الإنجازات “حتى يرجع يعلي صوته” يقول بعضهم، فيما يرى البعض الآخر أن “هذه الإنجازات تحققت” والآن المرحلة هي من نوع آخر وتتطلب قراءة سياسية جديدة.

    في قراءة لهذه المرحلة يرى العشي “إن وصول الرئيس سعد الحريري إلى سدة الرئاسة هو أكبر إنجاز لشباب 14 آذار وتيار المستقبل لأنه شاب مثلنا يمثل لبنان ويمثلنا”. ويتابع ” إنتفاضة الإستقلال لا يمكن أن تنتهي إلا بوجود دولة حقيقية”. ويرى إسماعيل أن “الحماس بين الشباب ليس على الوتيرة ذاتها لأن المرحلة لا تقتضي ذلك والوضع مستقر نسبيا. فالشباب اليساريون يحبون الثورة ومن بقي موجودا هو الذي استوعب الإنجازات الحقيقية”، من دون ان يخفي خوفه من وجود خطر على الإنجازات وخصوصا فيما قد تتطلبه التسويات الإقليمية “لكن 14 آذار والتكاتف اللبناني فيها يمكن أن يمنع هذا الشيء” يقول مؤكدا. أما الأشقر فبحسب تعبيره، “تختلف عناوين 2010 عن عناوين 2005”. ويقول “14 شباط 2005 كنا أبرز صانعيه كمحطة وانتفاضة وثورة. أما 14 آذار الائتلاف فقررنا الخروج منه مع إبقاء العلاقة جيدة والانفتاح على 8 آذار حتى نمنع حرباً أهلية ونخفف من الإصطفافات التي تسببت في 7 أيار”. ويضيف “اليوم ليس لنا عداء مع أحد. يمكننا أن نتفق على الكثير من الأهداف مع 14 آذار وفي كثير منها أيضا مع 8 آذار”. وفيما يطرح مهنا وجود مشكلة بين حركة التجدد وهيكلية 14 آذار بدأت منذ ستة أشهر. وعلى رغم تأكيده بأن المشكلة ليست في الطروحات وإنما في الآداء والآلية غير الواضحة لتنفيذ الأهداف. ويقول مهنا “إن ما يسمى بالوحدة الوطنية بعد الانتخابات قد يتطلب تنازلات مشرفة، ما يتوجب على قيادة 14 آذار التمسك بمبادئ ثورة ال2005 لأن الشعب لا يساوم على سيادة لبنان ويطالب تصحيح العلاقات مع سوريا”. أما عيد فبرأيه أن اللبنانيين “ما زالوا يعيشون في وضع غير طبيعي. فبناء الدولة لم يتم ومشكلة السلاح غير الشرعي وما بعد والعلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا”. وهو ما يؤيده ريشا أيضا بقوله “لبنان لا للشرق ولا للغرب لانه فوق كل شيء” .

    في ظل هذه القراءات المتشابهة أحياناً والمتباينة أحياناً أخرى، ترى القيادات الشبابية أن حافز النزول إلى الشارع هو عامل فرح لكل لبناني وأن هذه الذكرى هي لكل المواطنين على حد سواء. وهو ما يؤكده كلام العشي “قرار الرئيس سعد الحريري بالدعوة إلى الساحة هو قرار جريء بأن ثوابتنا واضحة وليست مبنية على قناعات أشخاص بل على خيارات شعبية وأن لا شيء يمكن أن يؤثر في هذه الذكرى”. ويضيف “سعد الحريري لن يتخلى عن دم أبيه وحلمه ببناء دولة مستقلة ومدنية والدعوة إلى إحياء الذكرى هي رسالة للناس الذين انتخبونا بأننا على قدر المسؤولية وسنكمل مشروعنا”. شعار هذا العام هو “العبور إلى الدولة” يقول العشي، مشيرا إلى أن مشروع تيار المستقبل “هو إصلاحي يتيح الانتقال من الفوضى في ظل الوصاية إلى دولة تمارس سلطتها على كل الأراضي ليكون اللبنانيون كلهم تحت سما لبنان”. فيما يؤكد إسماعيل “نحن نازلين وفاءً لدماء الشهداء وتأكيداً للإنجازات”. أما مهنا فيشير إلى أن الحياة السياسية “مطبوعة في ربيع بيروت 2005 وليس بالإمكان التنكر لذلك مهما كانت الملاحظات على الأداء”. وبرأيه “نحن نازلين كرمال الشهداء. لا نريد للانتصار أن يتحول إلى انكسار. لذا نزولنا هو تثبيت للانتصارات واستكمال لما لم يتحقق بعد منها”. ويوضح الاشقر “أن الحرية متروكة لمشاركة أي من أعضاء الحزب لأن هذا اليوم ليس حكراً على أحد بل يعني كل اللبنانيين الشرفاء الذين جسّد لهم الحلم رفيق الحريري”.

    دارين العمري
    جريدة المستقبل
    11.02.2010

    Leave a Reply