• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    14 شباط.. نازلون نازلون نازلون
    ساحة تعود عن غربتها

    عرض مرة أحد الرسامين اللبنانيين لوحة سماها انتحار الفيلة، يومها ذهب أحد تلامذة الرسم في الجامعة اللبنانية وخرج من المعرض بانطباع انتحار الشباب اللبنانيين، كان ذلك في العام 1990، أي في أسوأ لحظات الحرب الأهلية اللبنانية، قريباً من نهايتها الحتمية، ولكن في سواد القصف والاغتيالات السياسية.

    الشاب الذي حضر المعرض، أكمل دراسة الرسم، وعلمها في عدد من الأماكن في مدارس رسمية وخاصة. وفي النهاية رحل عن لبنان باحثاً عن فرص للتعلم والعمل، لكنه عاد في النهاية قبل اسبوعين وهو الآن يعمل في تعليم الرسم في إحدى الجامعات الكبرى.

    إذاً عاد الشاب الذي خرج مرة من وطنه وهو يظن ان لا عودة له إليه ، كما انه لم يكن يظن يوماً ان له هنا بابا للعيش كما يحصل معه الآن، ولذلك رحل. اليوم حقق جزءاً من خصوصيته وأتمّها بالعودة إلى بلده بحثاً عن فرص للعيش قريباً من أصدقائه وأهله. القصة حقيقية، وهي تشبه في نفس الوقت الكثير من قصص اللبنانيين الذين يمارسون غواية السفر والعودة والهجرة والاستقرار خارجاً ومن ثم العودة إلى الوطن، للاستقرار النهائي فيه. قد يصادف أحياناً أن يبقى بعضهم خارجاً ولكن في الملمات واللحظات الحرجة، وفي الأعياد وعطل الصيف تجدهم كلّهم هنا، جالسين في أحضان وطنهم، كمثل مرحلة العام 2005، حين عاد عدد كبير من الشبان اللبنانيين من الخارج بعدما شهدوا انفجار “السان جورج” واستشهاد الرئيس رفيق الحريري فيه، وكذلك حين رأوا الانتفاضة في بداياتها، وكذلك التظاهرات الأولى والمخيم الذي فتح شهية عدد كبير من شبان الدول القريبة على التغيير، الذي يشبه تفاحة لذيذة ولكنها في مكان عال وبعيد.

    عودة هؤلاء الشبان من بلدان الاغتراب في تلك المرحلة تختلف كلياً عن عودة الصديق الرسام من اغترابه، فالفارق في أن عودتهم أتت في أحرج اللحظات اللبنانية، لوضع يدهم والمساعدة في الانتفاضة اللبنانية بالكامل. ما قاموا به اعتبر عملاً جباراً منهم، بعضهم أخذ إجازة وآخرون استفادوا من عطل جامعية في أوروبا أو أميركا ليتواجدوا لأيام معدودة في بيروت، وخصوصاً في يوم 14 آذار، حيث شهد الأسبوع الذي سبقه، والذي تلا يوم الثامن من آذار كثافة من القادمين من مختلف دول العالم من الشبان اللبنانيين للمشاركة في الثورة التي قد تضع بلدهم على خط السيادة والحرية والاستقلال وكذلك للمشاركة في اللحظة التاريخية التي لم يكن لهم ليشهدوها في أي مرحلة ثانية من حياتهم.

    أحد هؤلاء الشبان اللبنانيين واسمه ماهر، حضر من المانيا حيث ولد وترعرع، ويعرف العربية كمثل أي رجل أرمني يسكن منطقة برج حمود ولم يخرج منها منذ ثورة العام 1958. المهم أن ماهر أتى إلى لبنان ليشارك مع غيره من اللبنانيين في ثورتهم، مع أنه يحمل جواز سفر المانياً، ويتعلم في تلك البلاد وينتمي لأحد أحزابها السياسية التي تقود السلطة أو شريكة بها. المهم أتى ماهر من المانيا، وهو يحلم بانتصارنا هنا، وكذلك بتحقيق العدالة، ويؤمن بالتغيير الذي قد يفرضه الجهد الذي يبذله كل اللبنانيين، بقي في بيروت لمدة أسبوع، وقد يكون نام في خيمة اليسار الديموقراطي أو الحزب الاشتراكي بالقرب من تمثال الشهداء في ساحة الحرية، لكنه كان للمرة الأولى يعبّر عن حبه للبنان كوطن وليس مقصد لسياحة صيفية يقضيها بين البحر والأنهر. حاول ماهر تعلم النشيد اللبناني، الذي لم يكن في السابق يعني له شيئاً، أو أقله لم يكن يعرفه أو لم يبحث عن أحد يعرفه يوماً ليتعلمه منه.

    ليس سهلاً تعداد هذا النوع من الشبان الذين يشبهونه، لكن الأهم هو تذكر الشبان الذين بنوا الانتفاضة وصنعوها وبقوا في بيروت والمناطق اللبنانية، وتحملوا سنوات سوداء.هؤلاء الذين ناموا في ساحة الشهداء، وأظنه شرف عظيم لهم، أن يستطيعوا في لحظة تاريخية إعادة وصل ما انقطع بين اللبنانيين إلى الحيز المكاني الذي كان قبل الحرب بابهم إلى المدينة أو العاصمة، وكذلك مقر أحزابهم وجرائدهم، هذا عدا عن مطاعمهم والوزارات التي فيها ينهون معاملاتهم.

    تحولت ساحة الشهداء إلى ساحة الحرية، وصار النشيد الوطني اللبناني عن قصد أو عن غير قصد نقطة تحديد لمعنى الانتماء، بعدما كان موشراً في لحظات سياسية خلال الحرب إلى الانقسام الحاصل خلال معارك القتل والتدمير. أما العلم اللبناني فتحول أيضاً إلى رمز الساحة، حيث كانت رفعت في بداية الانتفاضة أعلام حزبية، لكن الجو الجماهيري الذي لم يبحث لا في الانقسامات ولا في الانتماءات فرض عبر المطالبة وعبر رفع أكبر قدر من الرايات اللبنانية وحدة هذا العلم، منهياً بذلك فردانية الأحزاب والاكثريات المتوحدة في أجسام تنظيمية وطائفية.

    المهم نجح شباب لبنان خلال خمس سنوات فيها عشرات التظاهرات والتحركات في ابراز صورتهم الباحثة عن وطن يشبههم جميعاً من دون إلغاء الاختلاف. وطن يسري فيه القانون ويُقضى على الفساد في إداراته ومؤسساته، وكذلك يُفتح فيه الأفق للقيادات الشبابية، للتقدم في المسؤوليات من إدارات عامة، ومسؤوليات ضخمة مثل الوزارات وعضوية المجلس النيابي.

    كان الواقفون ليلة اسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي ليلة 28 شباط 2005 يدركون أن إخراج الوصاية والوصول إلى الانتخابات النيابية ثمنه كبير، من شهداء وجرحى وكذلك تهديدات ومشاكل، لكنهم في الوقت نفسه كانوا يواصلون اعتصامهم السلمي لأجل وطنهم. استمروا لخمس سنوات في المساهمة في مد الانتفاضة بكل ما تحتاجه من دعم وصولاً إلى الانتخابات النيابية، حيث أعطوا أصواتهم وعملوا جاهدين لانتصار قوى 14 آذار في الانتخابات، مفتشين عن اللحظة التي يعيش فيها بلدهم وأهله. هؤلاء هم أبناء الثورة ومؤسسوها سيكونون يوم الأحد المقبل في ساحة الشهداء، ساحة الحرية، رافعين صوتهم عالياً مع سمير قصير وجبران تويني، سيكونون مع رئيس حكومة لبنان سعد الحريري الياس عطا الله وحكمت العيد وأمين الجميل وغيرهم، وكذلك كل المناضلين لأجل الوطن، ينشدون لبنانهم، ليكون يوم 14 شباط يوما جديدا للاستفتاء والتصويت على السيادة والحرية والاستقلال، والدولة العصرية الحديثة.

    عمر حرقوص
    جريدة المستقبل
    11.02.2010

    Leave a Reply