• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الدولة صورة المجتمع

    من مظاهر أزمتنا الوطنية تخلّف الفكر السياسي عن دستور البلاد. تنشغل الأحزاب في صياغة الأوراق والنصوص والبرامج لاثبات وجودها. خلاصة ما تقول في نقد الدولة ونظامها والطبقة السياسية صار «كناطح صخرة»! ليست الدولة إلا هيكل المجتمع. لطالما كانت الدولة انعكاساً لميزان القوى الاجتماعي. لطالما كانت السلطة تنبع من العلاقات الاجتماعية. الدولة ليست نصاً دستورياً بل هي تجسيد وتكثيف واختزال لشبكة المصالح. يبدو أن النص الدستوري في العام 1926، وكذلك في العام 1990، جاء أفضل بكثير بوعوده مما تطمح إليه القوى السياسية اليوم. ولدت تلك النصوص في مناخ وطني أفضل، لذا هي لم تطبق في الماضي والحاضر.

    لن ندخل جدياً في مشروع التغيير ما لم ندرك حجم التحولات الحاصلة داخل مجتمعنا، خاصة في طبيعة القوى الفاعلة. لن ندخل في مشروع التغيير إلا إذا توافرت له قواه المادية. يبدو أن البنية السياسية (الفوقية)، الدولة، النظام، الأحزاب، الطبقة السياسية، هي اليوم أقوى من عناصر نقضها، لأننا لا نستطيع تطبيق الدستور فكيف بتطويره أو تجاوزه. الدولة التي نعارضها هي دولة الأكثرية (الساحقة). هي التعبير عن صلابة الطوائف وطغيان ثقافتها، عن هيمنة رأس المال المقرر في اقتصاد البلاد، عن نمط الفساد الاجتماعي وليس فقط الفساد السياسي، عن اندماج نظامنا السياسي وكياننا في العولمة أولاً، وفي شبكة التأثيرات الإقليمية ونزاعاتها ثانياً.

    الدولة القائمة في لبنان تمثل حصيلة ضغوط القوى السياسية جميعها، وهي التي تقرر النظام الانتخابي والسياسات الاقتصادية ونظام العدالة وطبيعة الأمن وأهدافه ووسائله، أمن الدولة المركزية وأمن القوى السياسية. لا تقف الدولة على اعتاب طائفة عاصية، بل على أبواب كل الطوائف العاصية على الدولة. كل الطوائف كانت لها تجارب مع السلاح بالتوالي، وكل الطوائف قفزت فوق الدولة، وكل الطوائف رسمت حدوداً لسلطة الدولة ولا تزال.

    الاعتراض على قانون انتخاب ينسجم مع الدستور مثله مثل السلاح. الاعتراض على الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، أو على قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، أو على اللامركزية الإدارية أو التنمية المتوازنة، وهي نصوص دستورية نقائض للدولة كما السلاح في يد حزب أو طائفة. الفارق الجوهري والوحيد ان «السلاح» ضرورة لبنانية لحماية أرض وحدود وجماعة، وله دور في بقاء الكيان تكويناً واستقلالاً ووحدة حتى اشعار آخر. للسلاح تأثيرات داخلية بلا شك، لكنها قائمة بقوة شرعية الصراع الطائفي على السلطة والتنافس على توازناتها. ولو كانت الدولة دولة مواطنة وحق ومساواة وديموقراطية ومؤسسات وعدالة ووطنية جامعة، لانتفت وظيفة السلاح وانتفت أهميته وقوته في الداخل.

    يقول مرجع «روحي» «ما دام هناك سلاح هناك حرب». ليست هذه حكمة سماوية. هذه حكمة «دنيوية». حين لم يكن هناك سلاح كانت الحرب أيضاّ وكنا فيها أيتاماً أذلاء، لأن السلاح موجود على الطرف الآخر من المعادلة التي لا يمكن تغييرها بالمواعظ الروحية ولا سوى ذلك من وسائل إلا السلاح المقابل. على أي حال، ان فكرة إزالة هذا السلاح والتجارب الناطقة ذات مردود سلبي على لبنان على حد ما نعلم، إلا إذا كان هناك من يتوهم، في هذا البلد الصغير، امكان مسالمة إسرائيل وضمان هذه المسالمة. وها هي مصر أكبر دولة عربية لا تستطيع أن تحوّل «سلامها» إلى مصدر استقرار أو حياد، وما زالت متورطة ولو سلبياً اليوم في الصراع العربي الإسرائيلي. أما تركيا البعيدة عن الحدود فقد ألزمها الجموح الإسرائيلي ان تعيد النظر بموقعها ودورها في المنطقة لدرء المخاطر الصهيونية.

    على كل، ليس هذا إلا صورة من صور أزمة مجتمعات تتحكم فيها قوى سياسية نافية لمشروع الدولة الحديثة الملتزمة بالاستقلال الوطني وبالهوية الجامعة وبحقوق المواطنة. فإذا كان هناك من طريق لتغيير هذه الأوضاع، فإنه يبدأ من الفعل في المجتمع المفكك الذي تصنع الدولة صورته الجامعة.

    ما نحن فيه، لبنانيين وعرباً، أننا ما زلنا نمارس الاعتراض على الدولة ولا نعرف كيف نفكك المصالح المسيطرة فيها ونعزلها عن جمهورها وركائزها.

    نعرف كيف نطرح الغايات النهائية الدينية أو القومية أو اليسارية، ولا نعرف كيف نبني حياتنا الوطنية على تفعيل حراك الجمهور اليومي حول قيم ومعايير وسلوكيات مشتركة. تتشارك كل التيارات الفكرية والسياسية بالتبشير والتحريض، وليس هناك من يقيم نماذج جذب وإلهام واستحسان. أحزابنا لاديمقراطية، قياداتها وراثية، أفكارها شخصانية، علاقاتها استبدادية، عناصرها منتفعة، وعيها امتثالي غير نقدي، ثقافتها انتقائية، ممارساتها فوقية، تكتيكاتها انتهازية، نزاعاتها سلطوية، رموزها تفتقر إلى الكثير من المصداقية. هذا هو الوضع النموذجي لقوة الدولة وسلطانها، لطغيان الحاكم واستبداده، لحماية الحاكم من المساءلة والمحاسبة بغير التذمرات الخافتة حيناً، والعالية أحياناً أخرى. في ثقافتنا السياسية الشعار والنص أقوى من الحياة، الزعيم أقوى من الحقيقة، القائد أهم من المعرفة.

    يوم غابت سلطة الدولة لم نتصرف بأفضل منها. استرسلنا في الفوضى وأخذت سلطات الأمر الواقع أسوأ أدوارها. كانت الأحزاب في كل دوائر نفوذها سلطوية لا قيادية، هي نفسها اتي أعدنا اعمار البيت اللبناني فيها. تبدّلت النخب بعد الحرب، جاءت نخب أحزاب التغيير يميناً ويساراً، مسيحياً وإسلامياً، هذه هي التي تدير الدولة اليوم. حصل التغيير في الأسماء وزاد سوءاً في السياسة. كنا بالماضي أكثر جرأة على نقد الزعماء بأسمائهم وبتصنيفهم، أما اليوم فلا نجرؤ على أن نقول لهؤلاء انهم غيّروا لبنان نحو الأسوأ. تغيّر الدستور إلى الأمام وتغيّرت السياسة إلى الوراء. الأحزاب لا نقد ولا مساءلة داخلها، وكذلك المؤسسات الدينية. الطوائف لا حراك داخلها وكذلك الصراع الاجتماعي. تغيّرت الدنيا من حولنا ولا نزال نحتفظ بأسمائنا وعقائدنا، بهياكلنا التنظيمية، بقواعد عملنا، بأفكارنا وشعاراتنا، كما يفعل الفكر الديني التقليدي. ومع ذلك ندّعي التغيير. لم نكتشف بعد عصب التغيير، قوة التغيير، جذوة التغيير، هذا المألوف السائد لم يعد يستحق الحياة.

    سليمان تقي الدين
    جريدة السفير
    09.02.2010

    Leave a Reply