• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الإصلاح الإداري في لبنان

    يُجمع علماء الادارة على ان رئيس الجمهورية السابق فؤاد شهاب هو من أرسى القواعد الصلبة الاساسية للإدارة العامة الحديثة في لبنان، وذلك عبر المراسيم الاشتراعية التي أقرتها حكومة الرئيس رشيد كرامي، بدءا من منتصف العام 1959، وأنشئ بموجبها الكثير من الادارات والمؤسسات العامة كمجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي وديوان المحاسبة والمجلس التأديبي العام وصندوق الضمان الاجتماعي… كما يُجمع هؤلاء، ايضا، على ان شهاب كان من اكثر الرؤساء الذين تولوا الرئاسة إصراراً على التقيد بالنصوص الدستورية والقانونية والحرص على عدم مخالفتها. وينقل عنه معاصروه انه كان يردد دائما ” لنحتكم الى الكتاب اي الدستور…”، كما يذكر الاداريون القدامى كيف تصرف شهاب مع ذلك الموظف الكبير الذي ذهب لمقابلته وفي جيبه كتاب استقالته احتجاجا على عدم تطبيق القانون من قبل احد النافذين من اقرباء الرئيس نفسه… وهكذا عرفت الادارة في لبنان عصرها الذهبي فنعمت بالاستقلال في تأدية خدماتها، وتحمل العاملون فيها مسؤولياتهم بكل تجرد وموضوعية، واختفت التأثيرات والتدخلات السياسية في العمل الاداري، وخصوصا اذا ما قارنا الوضع الاداري، في هذه المرحلة، بالمراحل السابقة واللاحقة ايضا، وانعكس ذلك على المواطنين الذين كانوا يحصلون على الخدمات الادارية بسرعة وشفافية مميزتين.

    لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا، اذ سرعان ما انتهت سنوات ستينات القرن الماضي حتى اصبحت الادارة ساحة للصراع المفتوح لتصفية الحسابات الشخصية الضيقة من جراء التدخل في شؤونها من قبل بعض الاجهزة الامنية والطبقة السياسة. هذا الوضع المتردي دفع رئيس الجمهورية السابق سليمان فرنجية، مطلع السبعينات، إلى الدعوة لعقد اجتماع لمناقشة الوضع الاداري من مختلف جوانبه فعُقد “مجمع بعبدا” الذي ضم، الى جانب الرئيس، قادة سياسيين واداريين. لكن اضطراب الوضع السياسي وبداية وقوع الاحداث الدامية صرفت النظر عن تطبيق مقررات وتوصيات هذا المجمع. أُهملت الادارة العامة من قبل الحكومات المتعاقبة طيلة الحرب اللبنانية فتشرذمت وانقسمت مراكزها وسادت الفوضى في أجهزتها وعرفت أبشع صور المحسوبية والرشوة وتصاعدت، تبعا لهذه الاجواء، شكوى المواطنين الى ان جاءت اول حكومة بعد اتفاق الطائف، التي عقدت اجتماعا خُصص لدراسة الوضع الاداري العام. إن أبرز ما قرره هذا الاجتماع كان تعديل فقرة واحدة من احدى مواد نظام الموظفين الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 112\59، حيث سُمح للموظف الانتساب الى الاحزاب السياسية وبقي محرما عليه الانتساب الى النقابات المهنية، ليس للدفاع عن حقوق الموظف فقط بل للمشاركة المسؤولة المستقلة في اي اصلاح يتناول الادارة العامة ؛ وباعتراف جميع المهتمين بالشأن الاداري العام، فإن هذا الوضع يُعتبر من أغرب الاوضاع الشاذة التي يعيشها موظفو الادارة، ولا مثيل له في اي نظام سياسي آخر.

    بعد هذه الفترة، ولمدة عقدين من الزمن، لم يظهر اي اهتمام جدي بالادارة وبقضاياها.

    ان أبرز ما جرى بالنسبة لمعالجة قضايا الادارة منذ عام 1959 حتى الآن الامور التالية:

    اولا: إجراءات أطلق عليها ” عمليات تطهير ” اي نقل قائد اداري (فئة اولى )من موقع الى آخر، او وضعه بتصرف رئيس مجلس الوزراء، او الطرد من الوظيفة العامة، اي تدخلات سياسية بامتياز.

    ثانيا: صدور قوانين او مراسيم تتعلق بقضايا ادارية محددة، كانت تتعارض، في معظم الاحيان، مع النصوص القائمة، كإنشاء وزارات ثم إلغائها وانشاء ادارات عامة دون ملاكات دائمة وتشابك صلاحيات في ادارة واحدة… اي باختصار غياب كلي للتخطيط وللتنظيم.

    ثالثا: استباحة الادارة من قبل السياسيين لحشر المناصرين والاتباع في المواقع المهمة دون مراعاة لمبادئ الكفاءة والجدارة والشفافية.. اي شطب مفاهيم استقلالية الادارة وضرورة التنظيم والاختصاص.

    رابعا: نادراً ما كانت حكومات ما قبل الطائف تضم وزيرا للاصلاح الاداري، في حين ان حكومات ما بعد الطائف اخذت تضم وزيرا لشؤون الاصلاح الاداري او لشؤون التنمية الادارية، ومن أبرز اعماله، مع فريق عمله من المتعاقدين، كانت إدخال المكننة الى بعض الادارات والمؤسسات العامة والقيام بأبحاث ودراسات تتعلق بالادارة العامة.

    اما موضوع الاصلاح الاداري الشامل الذي تحتاجه الادارة اللبنانية فإنه بقي غائبا كواقع مع انه كان حاضرا في معظم البيانات الحكومية كأمل لم يتحقق، والتطورات التي حصلت، في العقود الاخيرة، كالخصخصة والعولمة والمكننة… وأدت الى صراع مرير بين من يطالب بإلغاء دور الدولة الرعائية ومن يطالب بالابقاء على هذا الدور مع ادخال تحسينات عليه، بقيت الادارة اللبنانية في منأى عنها كأنها في جزيرة معزولة تتحكم في أدائها تشريعات تعود لنصف قرن من الزمن. انطلاقا من هذا الواقع تحتاج الادارة العامة اصلاحا اداريا، كما عرفته واختبرته وطبقته الدول المتقدمة في هذا الميدان، هو عبارة عن عمل مستمر وشامل وحركة مبرمجة وهادفة الى تغيير جوهري في الرؤى والمنهجية والمفاهيم لعمل الادارة بهدف تطوير الدولة وانطلاقها بأعلى كفاءة وفعالية وإنتاجية لمزيد من التنمية الادارية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا المفهوم يتناول أموراً عديدة اهمها:

    أ: النصوص، اي الاهداف والمهام والهيكليات؛ ب:التنظيم، اي طرق وأساليب العمل الاداري ووسائل تنفيذه؛ ج:العنصر البشري، اي العامل في الادارة من حيث الاختيار والاعداد والتدريب والتأهيل؛ د:مكان العمل من حيث توفير البناء الاداري المناسب والمجهز لتسهيل الاتصال المباشر بين العاملين انفسهم، وكذلك تسهيل تقديم الخدمة للمواطن… الا ان هذا الاصلاح سيبقى حبرا على الورق ان لم يقترن باستقلالية الادارة والعاملين فيها عن التدخلات السياسية، وهذا يتحقق بالرغبة الصادقة للطبقة السياسية الحاكمة مقرونة بجهد الاداريين انفسهم.

    عفيف رزق
    جريدة المستقبل
    06.02.2010

    Leave a Reply