• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    في حديث الرقابة/الرقابات

    الرقابة كريهة ومكروهة بالمطلق. هذا ما يُجمع عليه من لا يُجمعون على أمور كثيرة. لكنّ أخطر الرقابات اليوم تلك التي تصدر عن القطاعات المتخلّفة والمتعصّبة في مجتمعاتنا. والتعصّب قد يكون دينيّاً كما قد يكون طائفيّاً أو إثنيّاً، بحسب البلد المعنيّ. ذاك أنّ الرقابات المذكورة تسوقنا اليوم إلى محاكم تفتيش معمّمة. ومن الذي يذكر إسم حاكم أوروبيّ قمعيّ ورقيب بعينه قياساً بتذكّر محاكم التفتيش التي كانت رقابة مجتمعيّة قبل أن تكون سياسيّة!؟

    هذا لا يعني، بالطبع، أنّ السلطات السياسيّة عندنا لا تراقب ولا تقمع، أو أنّها عديمة الصلة بالسلطات المجتمعيّة. فالسلطات السياسيّة كلّها، من غير استثناء، تفعل ذلك بهذه النسبة أو تلك، وبهذه الطريقة أو تلك. وكلّها، من غير استثناء أيضاً، ترى في الحريّة خطراً عليها ونقيضاً لها. وكلّها، من غير استثناء، متشبّعة بوعي أبويّ لا يطمئنّ إلى «الأبناء» ولا إلى ألسنتهم وأفعالهم. فوق هذا فهي كلّها، وهذا قد يكون أخطر مساهماتها، تواطأت مع القطاعات المتخلّفة والمتعصّبة في مجتمعاتها، فشاركت في تعزيزها، وزايدت عليها في اللحظات التي تستدعي المزايدة، أو أنّها تنازلت لها عن جزء من السلطة الإيديولوجيّة ومن صنع الوعي العامّ، إن لم يكن عنها كلّها. وهي كلّها، من ثمّ، جبنت أمام تلك القطاعات، إمّا لأنّها شريكتها في مقدّمات تخصّ المقدّس والغيب، أو اكتفاءً منها بسلطة الذراع وتخلّياً عن الطموح إلى بناء سلطة العقل وسلطة الخدمات والتقديمات.

    هذا كلّه معروف، يقوم عليه من الشواهد والقرائن ما لا يُحصى له عدد. لكنّ ما بات يستدعي التوقّف أمامه، والتحذير الملحاح منه، هو رقابة القطاعات المتخلّفة والمتعصّبة في مجتمعاتنا، والتي تستفيد من انكماش السلطات السياسيّة، لهذا السبب أو ذاك، عن حقول «الاشتغال بالعقل» وعن المساهمة في إنتاج المعاني.

    والرقابة هذه «تمتاز» بجملة «ميزات» سلبيّة على زميلتها، رقابة الدول وأجهزتها.

    فهي، أوّلاً، تمارس القتل في ما خصّ الرأي والإبداع، وهو ما لا تفعله الدول التي يقتصر القتل عندها على دائرة المنافسة السياسيّة. فإذا فعلتْ كانت تقدّم هديّة تسترضي بها السلطات المجتمعيّة.

    وهي، ثانياً، لا تتأثّر بمطلق شيء، لا بظاهر القانون، ولا بموجبات التكيّف والمصلحة السياسيّين، ولا بضغوط الدول الديموقراطيّة الغربيّة، ولا باعتبارات اقتصاديّة ملزمة.

    وهي، ثالثاً، غالباً ما تستند في «أحكامها» إلى المقدّس، ما يجعل مقاومة تلك الأحكام مسّاً بالمقدّس نفسه. وهذا ما يغدو أصعب فأصعب في ظلّ تزايد التديّن وكذلك تعاظم الولاءات للهويّات الصغرى (وهي الأخرى لها مقدّساتها الصغرى)، ناهيك عن انحطاط أعمال التأويل على أنواعه واستسهال الفتوى.

    وغنيّ عن القول إنّ الوعي الذي ينشره هذا «المقدّس» كافٍ لتسميم العقل العامّ عقداً بعد عقد (كمثل غير حصريّ مطلقاً: ذكر الشيخ يوسف القرضاوي مؤخّراً أنّ كارل ماركس أعاد النظر بموقفه من الدين وكتب مدائح في الإسلام، إلاّ أن أتباعه من العلمانيّين الملاحدة أخفوا هذه الكتابات. وبالطبع، فكلام الشيخ، عند «الجماهير»، شيخ الكلام).

    وأخيراً، فأكثر الرقابات المجتمعيّة يضمّ إلى موقف تكفيريّ في الدين موقفاً تخوينيّاً في السياسة، فيجمع أسوأ ما في ثقافتي الأنظمة والمعارضات، والراديكاليّين والمحافظين. وهذا يجعل دائرة العقاب أكبر، بلا قياس، من أيّة دائرة أخرى.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    06.02.2010

    Leave a Reply