• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    واجبات الأخلاق وممكنات السياسة

    تتعلق الاخلاق بما يجب فعله، لانه يتوجب فعله. هي اولاً وقبل كل شيء حالة من الاعتقاد بضرورة فعل الشيء حتى ينتظم الامر في المجتمع. هي ما يضبط السلوك الفردي. هي ما يشكل العلاقة، علاقة السلوك بين الافراد. الاخلاق هي النظام الاعتقادي، هي الحالة البدئية المؤسِّسة لانتظام علاقات الجماعة. سواء كانت الجماعة في مرحلة الدولة او في ما يسبق الدولة، وسواء كانت الدولة تخضع لحكم محلي او اجنبي، وسواء كانت الدولة استبدادية او غير ذلك. الاخلاق هي ما يتعلق بالضمير الفردي، هي التي تقرر السلوك الذي يصدر عن الفرد مباشرة. بها يكتسب الانسان الفرد ثقته بالاخرين، وعن طريقها يستطيع هذا الفرد ان يبادل الاخرين السلوك نفسه. دون هذه الثقة وهذه المبادلة، ينفرط عقد المجتمع، ويصير الكل ضد الكل. الاخلاق انتظام للمجتمع عن طريق معتقدات (ايمان) وطقوس (تطبيقات) تلقائية. لولا هذه التلقائية لما استقام الامر للمجتمع، اي مجتمع. يتعلم الانسان كي تصير طبيعة له؛ تصير طبيعة له لان الانسان يولد ولديه قابلية للايمان والاعتقاد، تختلف الازمنة بمحتوى الايمان والاعتقاد، ومن الممكن ان يحمل نظام الايمان والاعتقاد مضامين مختلفة على مدى العصور، وأن تتغير هذه المحتويات على مدى القرون؛ ومن الممكن ايضاً ان تختلف هذه المحتويات داخل الدين الواحد بين شعب وآخر، وبين دين وآخر، لكنها حالة انسانية عامة، وان اختلفت بين شعب وآخر. هي حالة بدئية يعاد صياغتها لدى كل مجتمع حسب ظروفه وتطوراته التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. تنتج عن الاخلاق مقولات معرفية واخرى تطبيقية، تشكل النظم الواجب على الأفراد اتباعها في المجتمع؛ من يخالفها يقاضى او يستبعد من المجتمع، ويعاقب بالسجن او بوسائل اخرى.

    اما السياسة فهي متعلقة بالممكن، هي فن الممكن، القدرة على التجاوز، الاستطاعة على الفعل، امكانية التجاوز وصنع المستقبل، في حين تستند الاخلاق الى الماضي، فانها تبدو ذات طابع سلبي متلق ومنفعل. تستند السياسة الى ارادة الفعل، ارادة العمل قبل الراحة، الانتاج قبل الاستهلاك؛ هي ما يجعل الاقتصاد ممكناً. لولا العمل وإرادة الفعل لما كان الاقتصاد ممكناً. لذلك يقال عن الاقتصاد انه اقتصاد سياسي، ويعتبر الاقتصاد المحض ابتذالاً للاقتصاد والسياسة، كلٍّ على حدة.

    تعنى السياسة بإدارة شؤون المجتمع في حين تعنى الاخلاق بالسلوك الفردي. عن طريق الفرد تتخذ الاخلاق منحى اجتماعياً. وعن طريق المجتمع وإدارته تتخذ السياسة منحى اقتصادياً وسياسياً (اقتصادياً سياسياً). نقول فن السياسة ادراكاً للتعقيد الحاصل في الادارة السياسية، ولضرورة اخذ الخيارات بين امكانيات عديدة متاحة، وعلماً منا ان القرار الصحيح لا يؤخذ وصاحب القرار متأكد سلفاً من صحته كما في العلوم المادية. صحة كل قرار سياسي تعتمد على القدرة على الحوار مع الناس، وعلى البراعة في بناء الصلات معهم، وعلى الخلفية الثقافية المضافة الى القدرات الشخصية التي تتيح اقناع الناس بوجهة النظر. تتأدى العظمة واللذة والقدرة في السياسة من كون كل قرار يؤخذ وهو ليس مضمون النتائج. من يأخذ القرار بانتظار ان تكون النتائج كاملة ومؤكدة لا يأخذ قرارات الا متأخراً او لا يُؤبه لقراراته. ألذ القرارات هو ما كان يحمل في طياته 50/50 اي 50% امكانيات نجاح و50% امكانيات فشل. عظمة السياسة ان ينجح صاحب القرار في معرض الفشل اي حين يغامر بأخذ القرار وحين تكون المؤشرات جميعها او معظمها تشير الى الفشل. ليست مهمة المستشارين اخذ القرار. مهمتهم هي فقط الإشارة إلى مكامن الخطأ والصواب، الخطر واللاخطر. على الزعيم او القيادي وحده اخذ القرار. القرار هو دائماً للسياسيين وعلى البيروقراطيين التنفيذ. ليس البيروقراطيون مؤهلين لاكثر من التنفيذ، وذلك بحكم وظيفتهم.

    قواعد الاخلاق لا تُكتشف ولا يمكن اختراعها. هي قواعد موجودة منذ قديم الزمان. قواعد العلم تُكتشف، هي موجودة مخفية، على العلماء اكتشافها كي يصنع منها ما يفيد مواد صالحة للاستهلاك. قواعد السياسة لا تُكتشف ولا تتكرر هي كالفن تُخترع، ويعرَّف صاحبها بها. القواعد العلمية اذا لم يكتشفها احد سيكتشفها اخر. قواعد السياسة تخترع وتصنع ويصنع معها المستقبل. لا يتكرر قادة السياسة. هم يوجدون مرة في التاريخ. اساطين الاخلاق والعلم يوجدون تباعاً، في عصرنا العديد منهم. قادة السياسة يغيّرون التاريخ، ترتج الارض تحت اقدامهم، تختلف الطبيعة بعدهم عما قبلهم؛ اساطين الاخلاق والعلم يضيفون للطبيعة اضافات صغرى، هم يمثلون الاستمرارية والتغير بقفزات صغيرة اقرب الى الثبات.

    السياسة تصنع المستقبل؛ السياسة يغير قادتها المستقبل، يتجاوزون الماضي. الاخلاق والعلوم المادية تعبر في معظمها عن الماضي، هي تنبع من الماضي وتمثله وتستحضره.

    بالاخلاق والعلم (التكنولوجيا) نبقى حيث نحن. بالسياسة نتجاوز ما نحن فيه. كان تركيز الرئيس الشهيد رفيق الحريري على السياسة والعمل من اجل الانجاز والتجاوز، من اجل المستقبل، في حين كان تركيز الاخرين على محاربة الفساد لاستخدام الاخلاق وصوتياتها في سبيل ابقاء المجتمع على ما هو عليه، بل في سبيل فكفكة ما تم انجازه في التسعينيات. ساهم في ذلك بعض المثقفين في التركيز على الفساد، الوجه الآخر لحكم القانون والمؤسسات.

    وليس صدفة ان الاستعمار، كلما جاء الى بلد (افغانستان، الصومال، العراق وغيرها اليمن)، يحتل او لا يحتل، لكنه يوجه ضرباته بطريقة او باخرى كي تنهار الدولة وتصير دولة فاشلة. ينشىء دولة جديدة ويدعو لمحو الفساد، (وهو امر يستحيل القضاء عليه حتى في العرين الاميركي الامبراطوري)، كي تبقى الدولة المزمع بقاؤها رهينة الدولة المحتلة. لم يعد الانجاز هاجساً لنخبنا الوطنية الثقافية السياسية، لم تعد السياسة محور اهتمامهم، صارت محاربة الفساد هي جوهر هذا الوعي. وبذلك اي عن طريق ايديولوجيا محورها الفساد تم تشتيت الوعي السياسي. وعن طريق الاسلام السياسي، الاسلام المتطرف، والقاعدة احد تنظيماته، غيبت السياسة ليحل مكانها القول بمحو الفساد. تأتينا مقولة محو الفساد محملة على طائرات ودبابات الامبريالية التي تعمل لتدمير هذه الدولة أو تلك ومن اجل تشتيت وعي سكانها.

    يتغير كل دين بين كل مرحلة واخرى. ما يشكل مضموناً للايمان (عدا الاركان الاساسية) يتغير بين عصر وعصر وبين بلد وبلد. منذ الف عام كان الالم فضيلة مسيحية كبرى والآن صارت المتعة فضيلة. منذ الف عام كان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ يضع الاولوية للمجال العام للسياسة، الان يحشر هذا المبدأ في المجال الخاص والاخلاق. لم يستطع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب تطبيق الحدود على شاربي الخمر لانه انتقل من المجال العام الى المجال الخاص وقيل له «تحسست يا عمر» فاضطر الى التراجع. ان محاولة الاسلام السياسي من اجل حصر المعروف والمنكر في مجال الضمير الفردي وحده، ونقله من المجال العام (كما كان يفترض في فقه الحسبة) الى المجال الخاص يشكل ضربة قاضـية للسياسة والغاء للمجال العام. بالسياسة نعيد بناء مجتمعاتنا تعبيراً عنها ونقودها الى تجاوز ما هي عليه من تشرذم ومن تفكك. ليس حفاظاً على استقرار نرفضه، بل تجاوزاً في سبيل ما نجد خلاصنا فيه. وبالاخلاق، حتى ما يستخدم منها التكنولوجيا الحديثة والعلوم المادية نفرق مجتمعاتنا ونمضي في تجزئتها ونودي بها الى مهالك الخلافات والحروب الاهلية. ما من مجتمع الغى السياسة الا وفشل في بناء الدولة وتشتت في خضم الحرب الاهلية.

    السياسة فعل ارادة وتجاوز، هي تعبر عن شعوبنا ومجتمعاتنا كما تريد ان تكون، هي تضع المستقبل كما ترغب به وتتمناه. والسياسة لا بد ان تكون تنموية. زيادة الانتاج هي اهم عناصر السياسة ان لم يكن جوهرها الحقيقي. الشعوب الفقيرة لا تستطيع ان تقاوم الاحتلال والهجومات الخارجية الا لأمد قصير. لذلك هزم العرب، او كادوا يهزمون في حروب قصيرة. السبب هو انه في غياب التنمية لن تكون المقاومة الا قصيرة الامد.

    هدفنا يجب ان يكون بناء الدولة اولاً، دولة فوق النظام، دولة فوق نظام تقاسم الإيرادات والنفقات، دولة يكون جوهرها الاقتصاد والتنمية. الدولة التنموية هي سبيلنا لمواجهة التحديات الخارجية وهي التي تحافظ على تماسك الوطن داخلياً وتمنحه قدرة على المواجهات، وهي التي تمد المجتمع بالمقومات المادية للمواجهة.

    الفضل شلق
    جريدة السفير
    05.02.2010

    Leave a Reply