• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    إلغاء المحاصصة قبل إلغاء الطائفية السياسية

    اللبناني الذي عاش الحروب الاهلية المتعددة الوجه والذي يعاين ما ينتج عنها من عصبيات وتشنجات وسلوك عنفي متواصل باشكال مختلفة، سوف يعتبر ان الطائفية أمر حتمي لأنه قديم ومستمر. أما السياسيون المتوقفة مصائرهم السياسية على مسألة التوازن الطائفي من المنتظر ألا يقوموا بأي شيء لتغيير نظام يخدم مصالحهم بشكل أساسي.

    لكن حذار من الكلمات التي تخدعنا بحسب فوكو وتجعلنا نعتقد بوجود مواضيع طبيعية مثل الدولة او الجنون، او الطائفية في لبنان. فهذه أيضاً – أي الطائفية، ليست ظاهرة سكونية مثلها مثل العنصرية. إنها ظاهرة اجتماعية – سياسية تحددها الممارسة وهذه متغيرة بحسب تحولات الواقع التاريخي وديناميته ببساطة.

    يشير أسامة مقدسي في كتابه عن ثقافة العنف الى الطائفية بصفتها كانت تعبيراً عن نوع معين من انواع المساواة التي كانت نتاجاً لتقاطع الاصلاح العثماني والتدخل الغربي والفاعلية المحلية. وهي تركزت فوق رواسب تاريخية بالطبع.

    الطائفية إذن ليست “مؤامرة” حاكتها القوى الخارجية في الماضي او تحركها الآن. بل الاحرى انها تعكس خيارات واعية لدى جماعات متعددة في وضع تاريخي محدد. وهي أيضاً كما يستنتج المقدسي تعبير من تعابير الحداثة، لأن أصولها تكمن عند تقاطع الكولونيالية الاوروبية والتحديث العثماني المترابطين ترابطا تاماً. وهي ممارسة نمت من خلال الاصلاح العثماني في القرن التاسع عشر، وينبغي ان تفهم في سياقه. وقد بزغت الطائفية كممارسة حين نشب الصراع بين النخب المارونية والدرزية، وبين الاوروبيين والعثمانيين، حول تحديد علاقة عادلة ومنصفة لـ”القبيلتين” و”الامتين” الدرزية والمارونية بالدولة العثمانية التي تستهدف التحديث. وبزوغها حصل حين نُزعت الثقة في منتصف القرن التاسع عشر عن النظام القديم في جبل لبنان، وهو نظام كان محكوما بتراتب نخبوي على قاعدة ملكية اقطاعية هي التي تحدد المكانة في المجتمع السياسي وليس الانتماء الديني. لكن انهيار النظام القديم فتح المجال لشكل جديد من التمثيل السياسي القائم على لغة المساواة الدينية. ولقد اعلى هذا التحول من شأن الطائفة واستبدل بها المكانة النخبوية السابقة، وجعلها الاساس لأي مشروع من مشروعات التحديث والمواطنة والتحضر.

    إنها إذن واقعة تحديثية تمت ممارستها للرد على التحديات والتطورات التي عرفها القرن التاسع عشر بين المكونات الثلاثة المتشابكة: العثمانية والاوروبية واللبنانية. وطالما هي كذلك، فمن الممكن تغييرها إذن. والتغيير يكون مطلوباً من أجل الاصلاح عادة والاصلاح من أجل المزيد من الديموقراطية التي تهدف الى المساواة بين المواطنين اساساً. فهل مطلب إلغاء الطائفية السياسية في هذه اللحظة يهدف الى تحقيق هذه الاهداف؟ وموضوع الاصلاح في لبنان من المواضيع الازلية المستعادة التي لا تعالج جدياً في أي إطار وتحت أعذار الأزمات السياسية التي تعصف بالبلد بشكل دوري. ويتم التعامل مع الاصلاح وكأنه يشكل نوعاً من ترف يمكننا ان نتفرغ له بعد انتهائنا من أزماتنا متناسين أن تأجيله هو سبب أساسي لهذه الأزمات وأنه يشكل جزءاً من الحلول المفروضة لها.

    ويبدو الاصلاح من طريقة طرحه في لبنان وكأنه وصفة، كالدواء نأخذ جرعاته عند الضرورة وعندما نعثر عليه وينتهي الأمر، لكن الأخطر استخدامه كسلاح يشهر في وجه الخصم عند تأزم الأمور حول موضوع ما ويكون وسيلة لطي الملف المقصود. بينما الاصلاح في حقيقة الامر ليس انتقاماً ولا هو وصفة ثابتة ونهائية، بل هو مشروع ينمو ويتطور بالتدريج مع التقدم في إنجاز خطواته. وبمعنى ما فإن بناء دولة الكل للكل هو منطق الاصلاح وهدفه. فليس هناك نصف اصلاح. وكما أنه لا إصلاح بلا الدولة. كذلك لا دولة من دون الاصلاح.

    ولا يتم الاصلاح بالسياسة وحدها بل بالاقتصاد والتنمية المستدامة بما تعنيه من عقد اجتماعي حديث وعبر التربية واقتصاد المعرفة وتنظيم المدن… ومن هنا نجد ان ما يعوّق الاصلاح هو التركيبة الداخلية نفسها المعوّقة لبناء الدولة والاختلال على مستوى شبكات الامان التي تشكل مقومات العقد الاجتماعي. ويظل السؤال قائماً: هل يمكن الاصلاح ان يتم في ظل الوضع الراهن؟ وهل الاصلاح يبدأ بطرح إلغاء الطائفية السياسية الهابطة فجأة بمظلة من رحم الصراعات المذهبية؟!

     ربما تغري حركة المصالحات القائمة على قدم وساق بتصديق إمكان البدء بورشة إصلاح حقيقية. لكن حذار من الغرق في ظواهر الامور فربما تدلنا حركة المصالحات المتفشية هذه بين بعض القيادات السياسية للطوائف والمذاهب والقبائل اللبنانية، واستعصاء بعضها الآخر على هذا التصالح، على مدى تجذر الكراهية والاحقاد التي ترسخت بسبب الحروب المتكررة وبسبب الانقسامات التي طالت بنية المجتمع اللبناني في صميمها، وبدل أن تتعمق روح المواطنية طغت مشاعر التعصب والطائفية والمذهبية بطريقة لم يعهدها المجتمع اللبناني من قبل.

    والاختلافات السياسية التي كان يمكن تدبرها في السابق وإيجاد حلول لها بروح وطنية وعلى قاعدة التنافس السياسي صارت تتخذ منحى مذهبياً وطائفياً ما يحيل كل خلاف سياسي صراعاً مذهبياً. في هذا الوقت الذي بلغت فيه الطائفية والمذهبية أوجهما وتغلغلت هذه المشاعر الى جميع المستويات من البيوت الى المؤسسات مرورا بالمدارس وبالشارع بحيث صارت مسألة معالجتها تحتاج الى جهود جبارة قد تمتد الى سنوات مديدة للعمل على معالجة ذيولها. وفي هذا التوقيت بالذات، الذي تشتد فيه الصراعات والتجاذبات ويبلغ الاحتقان مداه يشعر جزء كبير من اللبنانيين بالاحباط والخيبة مضافا اليهما الخوف من اعتداء اسرائيلي، برزت التجاذبات حول التعيينات وآلياتها واشتد التنافس حول كيفية الحفاظ على عملية المحاصصة بين الاطراف السياسية في لبنان؛ وفي الوقت نفسه تتم المطالبة بالعمل على تهيئة إلغاء الطائفية السياسية كنوع من أنواع تطوير النظام اللبناني وإصلاحه. لكن اذا كان المقصود بذلك الاصلاح حقا فالسؤال هو كيف يمكن من ينادي علناً بالمحاصصة ان يكون الاصلاح غايته؟ وهل المطالبة بالغاء الطائفية السياسية هي الوسيلة الوحيدة للاصلاح؟ أليس الأجدى البدء بالاصلاح في ظل الوضع الراهن انطلاقاً من مسألة التعيينات بالتحديد؟ وبدل المطالبة العلنية بالمحاصصة التي يحاولون التخفيف من وطأتها بجعلها تتم تحت راية “أفضل العناصر وأكفأها عند كل مذهب وفئة سياسية”، أن يتم البدء بالاصلاح من طريق جعل التعيينات تتم وفق معايير محددة تعتمد الكفاءة والخبرة والاختصاص عبر مباريات علنية وشفافة تبتعد عن المحاصصة بجميع أشكالها وتبدأ بتمرين عملي لكسر الاحتكار الطائفي والتمثيل المذهبي وتحقيق المساواة؟

    لماذا يشكل البدء بالاصلاح من هذا الباب المدخل الأنسب؟

    لأن آليات التعيين السائدة، التي تخلط بين الخاص والعام، تجعل من الموظف من حصة الجهة التي عينته ويمثلها في الادارة. يوجد تناقض جوهري بين المحاصصة بما هي آلية تدعم الولاء والتبعية للزعيم او الطائفة او المذهب بما يؤدي الى مأسسة الفساد وجعله نمطا وطريقة في ادارة الشأن العام، وبين المطالبة بالغاء الطائفية السياسية بما هي الخطوة الاولى المؤدية الى مجتمع مواطني يكون فيه الناس سواسية وخاضعين جميعهم لدولة القانون. وبغض النظر عن صحة او عدم صحة هذا التسرع في طرح الالغاء او آلياته، ذلك يعني في ما يعنيه في الدرجة الاولى الغاء التمثيل الطائفي في الوظائف السياسية والوظائف العامة فنصبح في دولة مدنية وفق مبدأ الإقرار باستقلالية السلطة السياسية عن المفاهيم الدينية كافة، ويعني تطبيق قانون مدني واحد للاحوال الشخصية على الجميع بحيث يكون الجميع متساوين اما القانون بمن فيهم النساء فلا ترث نصف حصة الرجل. وفي هذا تأسيس لمبدأ المواطنية واعتماد الكفاءة والمساواة التي على اساسها نبني النظام بشكل جيد وديموقراطي.

     وهذا ما يتناقض بشكل صريح وواضح مع ما نسمعه عن محاصصات في التعيينات للطوائف وممثليها في السلطة والتي تشكل ركن الزاوية في الفساد المتفشي في الجمهورية. كيف ذلك؟

    بداية، لا يمكن فهم المحاصصة الا من ضمن أوالية الفساد الذي يحيلنا الى مفهوم عام / خاص اي Public / Privé. ذلك أن الفساد بالمفهوم الحالي للكلمة هو إما الاستيلاء على المال العام، أو التسبب بهدر المال العام، أو الاستفادة من الوظيفة العامة للفائدة الشخصية. وعندما يتم تعيين الشخص باقتراح من زعيم او ممثل طائفة او ككوتا لهذا الطرف او ذاك دون العودة إلى آليات موحدة تعتمد معايير موضوعية تراعي الكفاءة والجدارة تفقد الوظيفة صفتها العامة وتصبح شأناً خاصاً، وبدل أن يشعر الموظف بالولاء للدولة، التي هي فكرة معنوية، يصبح تابعاً للجهة التي يمثلها. ومن هنا نلاحظ صعوبات المواطنين في الحصول على الخدمات التي هي حق بديهي لهم، يدفعون ضرائبهم للحصول عليه. والمواطن لخوفه من طريقة استقبال الموظف له بحسب انتماءاته السياسية والمذهبية عن وسيلة للتقرب منه او لايجاد صلة ما “شخصية” أو رشوة أو واسطة للحصول على حقه البديهي بالخدمة.

    لهذا نجد ان المواطن لا يحصل على الخدمة المتوجبة له في مؤسسات الدولة الا عبر تحمل انواع من القهر لأن الموظف ليس في خدمة المواطن، انه في خدمة مصالح سيدة ورئيسه الذي اقترح تعيينه ورعاه. والا فما معنى ووظيفة المحاصصة؟

    من هنا الخلط بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية أو الخاصة، بما ينفي امكان المحاسبة والمساءلة ويجعلهما مستحيلتين، لأن الجميع هو جزء من هذه التركيبة الشاملة. وذلك ما يساهم بتدعيم الاستتباع وبتدعيم جعل امور الدولة وشؤون المواطن كلها جزءاً من قطاع خاص من نوع خاص، يجعل العام متعلقا بمفاتيح ومداخل وزعامات ومناطق وطوائف.

    ونظام الواسطة هذا هو احدى الاواليات المستخدمة للحفاظ على الولاء والذي موضوعه العائلة والعشيرة والمذهب والطائفة. فكيف يمكن الجمع إذن بين إلغاء الطائفية السياسية والمحاصصة بجميع أوجهها وفي الوقت نفسه ان يكون جاداً او راغباً حقاً في الإصلاح؟

    •••

    على كل حال يبدو المجتمع المدني، المعني الأول بموضوع إلغاء الطائفية السياسية، غائباً عن النقاش. إما لتقصير ذاتي وإما لتهميش مقصود من الاعلام الذي يخضع لمحاصصات هو بدوره. والتخوف الذي تشعر به هذه الفئة هو ان تكون غاية هذا الطرح في أصله وفصله من أجل تسخيف فكرة إلغاء الطائفية السياسية وجعلها قدراً نهائياً لا يمكن الاستغناء عنه طالما انه لا يطرح إلا في معرض الجدال والتشاطر وفي الأزمات.

    وهنا تقع المسؤولية على المجتمع المدني المكوّن الأساسي للرأي العام اللبناني غير الطائفي والذي برهن في أحلك الظروف على وجوده وعلى ثباته على مواقفه في رفض تجيير إلغاء الطائفية السياسية لملوك الطوائف وجهابذتها لكي يحولوها سلاحاً ينحرها ويلغيها؛ تماماً كما يجري تحوير ذكرى استشهاد الحريري من أجل جعلها ذكرى “وفاة حصلت بفعل حادث قضاء وقدر” وذلك بالاسلوب نفسه ومن خلال “وضع اليد” على الذكرى وإبدال معناها. وهذا يحصل أيضاً بفضل تواطؤ القيادات التقليدية ومن خلال صمت الجمهور الاستقلالي وعلى حسابه، بالرغم من أنه عبّر ويعبّر في كل مناسبة عن خياراته وعن ولائه لانتفاضته التي تهدف الى تكريس استقلال وسيادة لبنان وتمكين دولته الديموقراطية من بسط سيادتها على جميع أراضيها . ألا يجتمع اللبنانيون على هذا الأمر البسيط؟ أليست هذه غاية ذكرى 14 شباط؟

    واذا كان هذا صحيحاً فالمشاركة تكون عندها من الجميع تحت هذه الراية، ومن ضمن القبول بهذا الموقف السياسي الوطني وليس بنزع الصفة السياسية عن الذكرى وجعلها ذكرى موت عادية. انها ذكرى سياسية بامتياز وكل من يشارك بها يكون مشاركاً بهذه الصفة سواء كان من جمهور او قيادات 8 آذار او 14. وليس العكس.

    منى فياض
    جريدة النهار
    05.02.2010

    Leave a Reply