• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    العدد هاجس مسيحي؟

    يطالب مسيحيو 8 آذار وفي مقدمهم “التيار الوطني الحر” بالتخلي عن بيروت دائرة انتخابية واحدة في الانتخابات البلدية التي يُفترض ان تجرى في ايار المقبل او حزيران الذي يليه. ويدعون الى تقسيمها دوائر انتخابية عدة. اما الهدف الذي يريد هؤلاء تحقيقه فهو تكريس الوجود المسيحي البلدي الفاعل في العاصمة وعدم تركه “عبئاً” على مسلميها الذين هم اكثر عدداً من مسيحييها او “منّة” منهم. ويعني ذلك في شكل او في آخر ان البلدية الواحدة لمدينة بيروت “الممتازة” يمكن ان تتحول بلديتين او اكثر تبعاً لتقسيم الدوائر. اما مسيحيو فريق 14 آذار الذي يتزعمه “تيار المستقبل” الممثل الاكبر للطائفة السنّية في لبنان على الاقل حتى الآن فلم يتخذوا موقفاً صريحاً من هذا الموضوع حتى الآن. فهم لا يريدون ان يفرطوا تحالفهم مع “السنّة” بتبنيهم مطلب تقسيم بلدية بيروت الذي يؤكد زعيمهم حالياً الرئيس سعد الحريري انه لن يوافق عليه ولن يسهل حصوله ولن يوقع اي معاملة تجعله قانونياً. اذ من شأن ذلك عزلهم وربما إقصاؤهم وتعرضهم للحصار وخصوصاً اذا تسبب موقفهم بتحقيق تقارب بين حليفهم “المستقبل” واخصامهم الكثيرين من مسيحيين ومسلمين. لكنهم في العمق قد لا يكونون من المعارضين لفكرة تقسيم بلدية العاصمة ودائرتها الانتخابية الواحدة تبعاً للقانون. وهذا الالتباس الضمني اذا جاز تحديده كذلك يجعلهم يتعاطون مع الانتخابات البلدية في بيروت بشيء من الحذر وإن مع الاشارة الايجابية الى التمسك بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس بلديتها.

    هل يحقق تقسيم بيروت بلدياً الغاية التي يريدها المسيحيون؟ العارفون يستبعدون ان يحققها. فالمطالبون بالتقسيم يبررون موقفهم بان معظم عواصم العالم ولاسيما “الأول” منه مقسمة دوائر انتخابية بل بلديات وبأن ذلك لم يكن تقسيماً للدول والشعوب. وهذا تبرير حق يراد به باطل. فالعواصم التي يتمثلون بها هي اجزاء من دول مستقرة في هويتها وانتمائها وقوميتها ونظامها غير الطائفي بل العلماني وديموقراطيتها واحترام حقوق الانسان فيها وعدم التمييز بين المواطنين فيها على اساس ديني او مذهبي او عرقي. ولبنان الذي عاصمته بيروت ليس كذلك. فضلاً عن أن اي تقسيم لبيروت في ظل الخلل الديموغرافي الواسع في العدد بين مسيحييها ومسلميها لن ينتج مساواة في التمثيل البلدي لها الا اذا اقر مجلس النواب بعد اقتراح مجلس الوزراء تقسيماً “توافقياً” للدوائر فيها وتالياً للبلديات. وبذلك يكون المسيحيون انتقلوا من “تحت الدلف لتحت المزراب” اي ان مساواة تمثيلهم بالمسلمين بلدياً تمت بموافقة المسلمين.

    ويرفض مسيحيو لبنان او معظمهم المنتمون الى فريق 8 آذار او الى فريق 14 آذار اي الغاء للطائفية السياسية لا بل يرفضون مجرد تأليف اللجنة التي يفترض ان تدرس هذا الموضوع وفقاً لنصوص اتفاق الطائف أي الميثاق الوطني الثاني وتالياً الدستور. وقد يكون لموقفهم هذا مبررات عدة قديمة وجديدة. لكنهم لا يدركون ان في رفضهم نوعاً من التناقض. فهم من جهة يتمسكون باتفاق الطائف الذي نص على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين عموماً ويرفضون الغاء الطائفية السياسية التي نص عليها وتحديداً تأليف اللجنة المُعِدّة لهذه الخطوة.

    ويرفض المسيحيون في 8 آذار و14 آذار خفض سن الاقتراع الى السن الـ 18، كما هي القاعدة في معظم دول العالم اقتناعاً منهم بأن غالبية المستفيدين من هذا التعديل الدستوري هي من المسلمين الامر الذي ينقص عددهم أكثر وتالياً دورهم التقريري في الانتخابات اللبنانية بل في السياسة اللبنانية والنظام اللبناني. لكنهم يلفتون الى انهم قد يقبلون خفض سن الاقتراع في حال ربط قانونياً باستعادة المغتربين “المزمنين” وغير المزمنين جنسيتهم. اما سبب الربط هذا فهو اقتناعهم، وهو مبرر، بأن عدد المغتربين او المهاجرين المسيحيين من لبنان اكبر بكثير من عدد المغتربين او المهاجرين المسلمين. علماً ان بعض هؤلاء المسيحيين يقول انه يربط الموافقة على الخفض المشار اليه بتأمين وسائل اشتراك اللبنانيين المقيمين في الخارج في الانتخابات النيابية. لكن دون استعادة الجنسية صعوبات عدة تبدأ بسجلات الذين هاجروا منذ اواخر القرن التاسع عشر وتمر بمدى رغبة الاجيال المتحدرة منهم في العودة الى لبنان والاستقرار فيه هو الذي فقد استقراره وإن النسبي نهائياً عام 1975 ولم يسترجعه بعد وقد لا يسترجعه ابداً. وقد تنتهي في قدرة لبنان على استيعاب كل هؤلاء. علماً ان هناك صعوبة اساسية مهمة لا يأخذها المسيحيون في الاعتبار هي ان التأثير والفاعلية في لبنان لن يكونا الا للموجودين على ارضه من ابنائه وحتى من غيرهم. وهذا يعني، وبصرف النظر عن الارجحية او الغالبية الديموغرافية المسيحية التي قد يعطيها التجاوب مع مطالب المسيحيين، ان الكلمة الاساسية في البلاد ستبقى للقوى المسيطرة فيه بوجودها على أرضه عدديا اولا وهي اسلامية. فضلاً عن أن التوازن الديموغرافي، وفي حال استعاده المسيحيون، سيختل بعد سنوات قليلة او كثيرة لاسباب عدة منها ان العالم العربي مسلم بغالبيته الساحقة وان الوجود المسيحي فيه يتناقص في استمرار سواء لأن المسيحيين “لا يبذّرون” كما يقول احبارهم او لأن المجتمعات التي يعيشون فيها ليست دائماً متسامحة. وهي اليوم تمر بمرحلة من عدم التسامح الشديد. وهي قد تطول.

    في اختصار يُستنتج من كل ما تقدم ان مشكلة المسيحيين في لبنان هي العدد. ويبرز ذلك بوضوح في مواقفهم ومطالبهم التي يحاولون بواسطتها تجاوز هذه المشكلة او التحايل عليها. لكن نجاحهم في ذلك سيبقى موقتاً. ويتساوى في هذا الامر مسيحيو 8 آذار و14 آذار. ولا يقلل هذا “التوافق” المسيحي محاولة البعض وخصوصاً “التيار الوطني الحر” القول انه مع دولة مدنية وغير طائفية. وهذا ما جاء على لسان زعيمه العماد ميشال عون قبل يومين اذ حدد موقفاً مثالياً من هذا الموضوع. وكان يجدر به التمسك به واقناع الآخرين به وخصوصاً حلفاءه المسلمين وعدم المشاركة في خطاب سياسي – طائفي لن يفيد المسيحيين لا الآن ولا في المستقبل.

    سركيس نعوم
    جريدة النهار
    04.02.2010

    Leave a Reply