• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    النسبية تجربة ممنوعة

    يستعيد الجدل الحكومي والسياسي حول مشروع قانون الانتخابات البلدية والاختيارية، وعلى افتراض انه نقاش جدي في صلب الاصلاحات المطروحة على المشروع لا ملهاة لتقطيع وقت، مفارقة التعامل مع اقتراح اعتماد النسبية بمنطقين معلّبين سلفاً رفضاً أو ترحيباً، مع ان كلاً من الرافضين او المرحبين يراهن فعلاً على دفن التجربة وهي وليدة.

    هذه المفارقة برزت للمرة الأولى في تعامل الوسط السياسي مع المشروع الشهير الذي وضعته لجنة الوزير السابق فؤاد بطرس للانتخابات النيابية، وكانت احدى التجارب الأكثر “تقدمية” ونجاحاً في العوم فوق أمواج التناقضات اللبنانية المعقدة، وخلصت الى وضع مشروع اصلاحي اقل ما يمكن ان يوصف به موضوعياً انه شكل خلاصة علمية بقدر عال لمفهوم اصلاحي شامل للعمليات الانتخابية على الاقل، وإن ترك الباب مفتوحاً للجدل في مسألة التمثيل مع اعتماده النظام المركب الذي يجمع بين الأكثرية والنسبية.

    والواقع ان اعتماد النسبية في بيئة شديدة التعقيد طائفياً واجتماعياً كتلك التي يجسدها الواقع اللبناني ليس أمراً عابراً خصوصاً متى جرى الارتكاز الخاطئ تماماً الى تجارب النسبية في بيئات خارجية أخرى، حتى تلك التي تشبه لبنان في تعدديتها المعقدة، وحتى بمعايير نجاح تلك التجارب او إخفاقها لا يمكن اسقاط أي نموذج خارجي على الوضع اللبناني كأنه وصفة ناجعة معلّبة، ولا استبعاده بالكامل متى عجزت كل التجارب الأخرى عن إثبات انها البديل الشفائي. النقاش الجاري الآن في مجلس الوزراء وداخل “النوادي” السياسية المقفلة على المواقف الخشبية يتسم بنزعتين لا تتيحان لعموم الناخبين سوى النظر الى مبدأ النسبية كنظرية مترفة وغريبة وشديدة الغموض، او مجرد ملهاة مفخخة يراد لها أن تزيد عوامل الدفع نحو تأجيل الانتخابات. فثمة نزعة تنفخ هذه النظرية الى حدّ الايهام بأنها قد تنقل لبنان من عالم الأوبئة السياسية والطائفية الى عالم التمثيل النيابي والبلدي والاختياري الملتحق بركب الحداثة، وثمة نزعة مقابلة تسخّف النسبية الى درجة اعتبارها بدعة لا حياة لها في تربة لبنان وواقعه القادر على ابتلاع كل ما لا يتلاءم معه.

    وأغلب الظن ان المنحى الواقعي الذي سيتخذه مسار “النقاش البلدي” لن يختلف أبداً عن المسار السابق الذي اتخذه النقاش النيابي، بمعنى ان مجموع التوجسات الطائفية والحسابات السياسية الشديدة التضارب، ستفضي الى اطاحة مبدأ النسبية واسقاطه حتى اشعار آخر ممدد الى أفق بعيد جداً. وهذا لا يعني، في المقابل، (وهنا المفارقة الصارخة) ان كل “بريق اصلاحي” يمكن أن يكون ناجعاً في لبنان ولا يحدث مضاعفات سلبية بدليل “التعثر التاريخي” في استكمال تنفيذ اتفاق الطائف نفسه، وهو الصيغة الأكثر كلاسيكية والتصاقاً بالتفاهمات الطائفية، ومع ذلك لا يزال تنفيذه بالمفرق واستنساباً يضخ التوترات الموسمية في ضوء عجز فاضخ عن توحيد الرؤية اليه كميثاق ودستور سواء بسواء.

    فالنسبية، العاثرة الحظ في لبنان، كانت تستحق على الأقل تجربة اختبارية واحدة في اطار اصلاحي شامل للحكم عليها سلباً او ايجاباً. وكان للتجربة ان تخضع لكل الفحوص المخبرية الدقيقة لو اعتمدت في دورة انتخابية نيابية أكثر منها في تجربة أهلية بلدية واختيارية، لأنها قابلة للضبط الطائفي أكثر ضمن الزامية المناصفة بما يخفف وطأة الاعتراض والرفض الطبيعي خشية الاختلالات الحاملة لكل التوترات المحتملة.

    ومفاد هذه الحقيقة ان معظم الزعامات السياسية، إن لم يكن مجموعها، هو من السطوة بمكان بحيث يمكنه منع حتى تجربة واحدة من هذا القبيل، لأن النظام الأكثري اثبت انه الأكثر ملاءمة لاستمرار نظام السطوة هذا على رغم كل شيء. أما مسألة “الاصلاح”، فدونها على الأرجح مزيد من عقود ما دام الناس على دين ملوكهم.

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    03.02.2010

    Leave a Reply