سقوط مزدوج… الأول في البحر والثاني من عيون الناس
سقوط طائرة في البحر اللبناني أمر يحدث للمرة الأولى، لكنها ليست المرة الأولى التي يتعاطى فيها الاعلام بوضع كارثي. هي المرة الأولى لسقوط طائرة مدنية قبالة مطار بيروت، لكنها ليست المرة الأولى التي “تندلع” فيها حروب السبق الصحافي بين الاعلاميين والوسائل الاعلامية. المحزن في الأمر، أن الصندوق الأسود الذي “وُجد” عشرات المرات بعد سقوط الطائرة ما زال مختفيا في قلب البحر، أما الأهم فهو تحول الفرضيات الى “حقائق”، علما أنه وفي كل الأحوال لا يمكن ازالة أي فرضية، لكن لا يمكن التركيز على احداها من دون الأخرى، طالما ان التحقيقات لم تنته وطالما أنه لم يتم تحليل معلومات أي صندوق أسود بعد.
فور حدوث الكارثة واتضاح حقيقة أن طــائــرة سقطت، بـــدأت وسائل الاعــلام تغطيتها المباشرة، أكان بالاعلام المرئي أم الاعلام المسموع ام الالكتروني، فيما انفردت وسائل الاعلام المكتوبة الى اعتماد أسلوب، الاستقصاﺀ ونشر تحقيقات دسمة في اليوم التالي. كل شــيﺀ يسير على ما يرام اعلاميا، الى حين “ضرب الجنون أطنابه”. في المبدأ يحق لأي كان البحث عن الحقائق واستنباط المعلومات وتحليل الوقائع ونشر الفرضيات، لكن لا يحق لأي أحد التركيز على فرضية معينة بحدّ ذاتــهــا، لا نفيا ولا تأكيدا. كما ان كــثــرة الفرضيات هــو امــر طبيعي معتمد في أكثر دول العالم حضارة، حيث لا مجال لكلمات من نوع “كبّر عقلك معقول يصير هيك شي”، بل كل شيﺀ وارد ويُمكن طرحه بسبل محددة، من دون التركيز عليه طالما أن التحقيق لــم يصل الــى نتائج بعد.
لماذا ليست هي المرة الأولى التي يتعاطى فيها الاعلام اللبناني في صورة عامة، مع استثناﺀات محددة، بالطريقة الأمثل؟ لأن في السابق، وفي قضية الرئيس رفيق الحريري، ركّـــزت بعض وســائــل الاعـــلام على “دور سورية الفعلي في اغتياله”، وركّز البعض الآخر “على دور الجميع سوى سورية”، وفي الحقيقة فإن بعد سنوات من “القتال” الاعلامي الضاري أفضت التحقيقات الى اخلاﺀ سبيل جميع الموقوفين والمسجونين. في تلك الحالة كان لبنان قد أمسى على فوهة بركان من نار وحديد. وفي ما بعد تعمّدت بعض وسائل الاعلام إما “الاشادة بيوم السابع من أيار” وإما “مهاجمته بعنف”، وفي الحقيقة فقد أصبح الأمر في الخلف السياسي، بعد اتفاق أطراف نزاع 7 أيار المباشرين، من حزب الله وتيار المستقبل وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي.
هاتان الحالتان تكفيان للنظر الى واقع الاعلام في لبنان.
ربما قد يقول قائل بأن الأوضاع السابقة هي سياسية، بينما الوضع الحالي هو اجتماعي، لكن والحق يقال بأن اعتماد الأسلوب الاعلامي عينه في كل الحالات استجلب غضبا من المواطنين. اذ لا يمكن القول لطفل في الرابعة من عمره فقد والده في الحادثة “أين والدك”؟ وكأننا تجرّدنا من انسانيتنا واعتنقنا “” الغباﺀ لباسا لنا. ولا يمكن أن نقول ونردد وكأن لا أهل يسألون عن أولادهم أو أقاربهم “أن هناك” أشلاﺀ، فهل يمكن التخيل ماهية هذه “” الأشلاﺀ؟ هل يمكن أن نكون الى هذا الحد “موضوعيين” و “حياديين” حتى في انسانيتنا؟ هل باتت “” الأشلاﺀ أخبار تُبث على مواقع الكترونية أو تلفزيونية أو صحافية كـ “وصول أشــلاﺀ الى مستشفى” أو “شوهدت أشلاﺀ في عرض البحر.”.
الى ما هنالك من استخدامات لهذه الكلمة؟ ألا أن نكون مدموجين مع آلام الناس ونحاول الخروج من عباﺀة الكلمات الجارحة، ومساعدتهم عبر إما السكوت نهائيا عن اعتماد هذه الكلمات والاستعاضة عنها بالأسلوب الآخــر “استمرار عمليات البحث” أو ما شابه؟ فضلا عما رافــق موضوع فحص الحمض النووي من اشكاليات والتباسات.
كــل هـــذا ولـــم ينقصنا ســوى التركيز على فرضيات معينة، وبث أخبار “عاجلة ومن مصادر موثوقة”، فيما التحقيق لم يصل الى ختامه بعد.
وفي مثل حالة هذه الكارثة، يمكن الاستناد الــى تحليلات الصندوق الأســود، أمــا في غياب أي صندوق أو تحليل، عندها فقط تفتح أبواب التحليلات والــتــأويــلات. فـــإذا كنا قادرين على طــرح كل الفرضيات، ومراقبة تسلسل الأمور، فنحن قادرون أيضا على محاولة قــراﺀة الأمــور في صورة أكثر اعلامية، من ناحية خلق التوازن بين الفرضيات من دون تبنّي أي منها، ومن ناحية تقديم الأفضل في ظل منافسة اعلامية مشروعة، من دون تخطي الحدود الانسانية. على أن الأهم في كل هذا الموضوع، هو كيفية صيرورة بعض الاعلام شبيها بآلات متحركة لا انسانية فيها، ولا حدّ أدنى لكرامة الأشخاص والطفولة والقلوب الرقيقة.
يحق لنا طــرح الفرضيات لكنه لا يحق لنا بتاتا التمسك بواحدة منها والقول بأنها “صحيحة”، طالما أن لا نتيجة تحقيق يمكن البناﺀ عليها. وحتى ذلك الحين يفترض أن نكون أكثر واقعية وأكثر عدالة فــي طــرح الأمـــور. صحيح أن كارثة الطائرة شرّعت الأبواب على الكثير من الملفات العالقة والشائكة، ولكن عليها أيضا أن تشرّع الأبــواب على طريقة التعاطي الاعلامي اللبناني مع الأحداث وكيفية معالجة الأخطاﺀ المتكررة فيه، والتي لم تعلمه اياها الويلات والمحن السابقة. لنستفد من هامش الحرية الواسع في بلادنا من أجل بناﺀ اعلام أفضل.
بيار عقيقي
جريدة صدى البلد
29.01.2010

