• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    كيف يتلقى تلامذة لبنان تربية لامدنية؟

    إن صورة الآخر المختلف طائفياً التي يتضمنها كتاب التربية المدنية الذي يدرّس في المدارس اللبنانية لا تكفي لمعرفته معرفة إيجابية. كشفت الملاحظة الميدانية ان الأساليب التربوية التي يعتمدها معلمون تتجه نحو تربية لامدنية تنقل الى التلامذة سلوكات سائدة في المجتمع وتعيد انتاجها للأجيال الجديدة. كتاب التربية المدنية ليس كتاباً للحفظ، بل دليل ووصفة كما في المجال الطبي. ولكنه ليس علاجاً للمعضلات حتى ولو كان يرتكز على تشخيص صائب. يكمن العلاج في إجادة تطبيق الوصفة. ينبغي إدخال بعض التعديلات على الكتاب، إلاّ أن مراجعة الأساليب التربوية تبدو ملحة لأنها هي المؤثّرة فعلياً. المعلمون الذين يوجهون التهم إلى الكتاب يتهربون من المشكلة، وهي تتمثل بنوعية الوقت المخصّص للتربية المدنية لا بحجم هذا الوقت. يستعيد المعلم غالباً الخطاب السائد، ويصب فيه ما يملكه من إرث ثقافي وما يجيّش في نفسه من مشاعر ومكبوتات.

    ما فائدة المدرسة إذا كانت تكتفي بترداد خطابات وسجالات تدور في الصالونات؟ هذه الأساليب لا تتيح للتلاميذ فرصاً للتفكير ومناقشة موضوع محدد وإيجاد حلول. وُضع كتاب التربية المدنية ليكون بمثابة دليل للمعلمين، وهو يتضمن نشاطات مقترحة لضمان التجديد والمبادرة والإبداع وتجسيد المعرفة سلوكاً. لكنه أصبح في الممارسة التربوية كتاباً للدرس والحفظ. والأخطر أنه لم يتحول إلى تربية سياسية pédagogie politique بل إلى سجال سياسي يعيد إنتاج القيّم والسلوكات السائدة في المجتمع.

    ما تكشفه المراقبة الميدانية على وجه الخصوص هو التالي:

    1- تحقير: ميل إلى تحقير الدولة كما لو كانت مؤسسة غريبة عن المواطن وميل إلى تحقير سلوكات اللبنانيين عموماً. إذا كانت الثقة هي محرّك الإنماء والالتزام فكيف يؤمل بأن يكتسب اليافعون، الذين لا يزالون على المقاعد الدراسية، الثقة بالقدرة المواطنية citizen power؟ هم أبناء عالم تسود فيه لغة التكلم بصيغة المجهول، غير الشخصي وغير المحدد. أساس المواطنية في كل تربية مدنية هي الأنا المستقلة والواثقة من نفسها، وفي صلة اجتماعية، على الرغم من كل العوائق.

    2- حوار سائب: ينتقل المعلم من موضوع إلى آخر ويمزج المشاكل بعضها مع بعض: الخدمة العسكرية، هجرة الشباب، الاندماج الوطني، العمل التطوعي، الفساد… كل مشكلة في السياسة طبعاً هي شمولية، لكن دور الفاعل السياسي والمواطن يقضي بأن يكون متبصراً، وان يحدد الهدف ويعالج وضعاً محدداً من خلال التشخيص.

    إن التربية المدنية، كما يتبيّن من خلال ممارستها، تساهم في قولبة أشخاص يمكن التلاعب بهم وتسخيرهم بسهولة في حلبة النزاعات السياسية. تنمو النزاعات والتعبئة النزاعية في المستنقعات على غرار الميكروبات. لكن الوعي والتبصر والحس النقدي تفكك الظواهر وتحللها، وكلها عناصر ملازمة للثقافة الديموقراطية. الاستبداد وكل الأشكال القديمة والمعصرنة للنازية والفاشية تزدهر في الأفكار المعلبة الإجمالية.

    3- مواعظ اخلاقية: تتحول غالباً حصة التربية المدنية مواعظ، وخطابا أخلاقياً، وإعلان عن تمنيات يتلقاها التلاميذ كما لو كانت مثالية يتعذر تحقيقها. لكن التربية السياسية تختلف عن التربية الأخلاقية، بمعنى أنها لا تقوم مباشرة على الأخلاق، بل على قواعد حقوقية للعيش معاً في اطار عقد اجتماعي يحكمه القانون والشرعية والنظام العام.

    4- تربية لامدنية: تظهر الملاحظة الميدانية أن التربية المدنية، كما تُعلَّم في المدارس، تؤدي إلى نتائج معاكسة لأن المعلمين لا يُتابَعون ولا يُدرَّبون، وينمّي معظمهم لدى التلامذة ذهنية التذمر أو “النق”. ينطلق أحياناً المعلم من واقع عاشه التلاميذ، من أجل الانتقاد والاستهجان، لا من أجل تعليم التلاميذ كيفية العمل ليكونوا مُحدثي تغيير سلمي.

    معيار فاعلية التربية المدنية مدى ترجمة المعرفة سلوكاً. تُعطى حصة التربية المدنية عموماً في الصفوف دون اهتمام المعلم بسلوكات التلاميذ، لا في إطار الحصة ولا في البيئة المدرسية عموماً.

    إن إعداد برامج التربية المدنية وإنتاجها، في إطار خطة النهوض التربوي، التي نص عليها اتفاق الطائف وبدأ بتنفيذها المركز التربوي للبحوث والإنماء بإدارة البروفسور منير أبو عسلي في السنوات 1997-2002، تبعتهما دورات تدريبية لأكثر من 300 مدرّس من كل المناطق. توقفت هذه الدورات وتطبَّق البرامج اليوم بشكل روتيني ودون عودة إلى روحيتها.

    ليس المراد نقداً للكتاب بل كشف النقاب عن خطورة الممارسة التربوية، التي هي غالباً آلية اعادة إنتاج سلوكات تنمّ عن اللامدنية. لا يطبق المعلم تربية سياسية قادرة على تطوير مواطنية قائمة على الفكر النقدي والاستقلال الذاتي واحترام المجال العام. مواطنية تجعل كل لبناني يعتبر كلَّ جزء من لبنان منطقته فيصونه. نلاحظ من خلال الكتاب والمراقبة ونتائج الاستمارات أن المغيَّب ليس الآخر المنتمي إلى طائفة مختلفة فحسب، إنما المواطن الشريك، من الجار الأقرب إلى الأبعد.

    تثبت نتائج الدراسة ضرورة إدراج ثقافة دينية في البرامج اللبنانية، ثقافة تختلف عن التعليم الديني، وبإعادة النظر في ممارسة تعليم التربية المدنية من أجل تطوير مواطنية مشتركة.

    ماريان سركيس
    جريدة النهار
    27.01.2010

    Leave a Reply