• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    حياة طيّبة او انتحار غير مشرّف

    كرّست جريدة “الأوريان لوجور” في 11 كانون الثاني 2010 صفحة كاملة عن مشروع القانون الذي أعدته اللجنة النيابية للصحة العامة والعمل والشؤون الاجتماعية في 26 اذار 2006، والتي كانت و لا تزال برئاسة النائب عاطف مجدلاني، عنوانه “إ قتراح قانون للحد من التدخين وتنظيم صنع منتجات التبغ و تغليفها ودعايتها”. وهدف هذا التشريع هو حماية المواطنين من المضار المميتة للتدخين عامّة، ومضار التدخين غير المباشر أو التدخين السلبي في الأماكن العامة.

    من المفرح أن يُطرح أخيراً على مجلس النواب مشروع قانون لحماية المواطنين من مضار التدخين، وهذا بعد انتظار طويل. لكنّ الـلافت هو الإحباط الذي نستشفـّه في كلام الدكتور مجدلاني. فهو بالطبع َيعرف أضرار التدخين المباشر والسلبي، كما يقرّ بضرورة حماية المواطنين حماية كاملة من مضار التدخين السلبي في الأماكن العامة. وهو أيضاً مُطـّلع على الدراسة التي تقدّر بثلاثمئة مليون دولار تكاليف علاج الأمراض الناتجة من التدخين والتدخين السلبي التي تتحملها وزارة الصحة سنوياً.

    ورغم كل ذلك أعدت اللجنة التي كان يرئسها مشروع قانون مع استثناء يمنع تحقيق ما تدعو إليه اتفاقية منظمة الصحة العالمية التي أقرّها لبنان في كانون الأول 2005. فمشروع القانون المنبثق من اللجنة النيابية للصحة يلحظ وجود أمكنة مغلقة للمدخنين في الأماكن العامة، عوضاً عن التشريع المطلوب – والذي أصبح سارياً في العدد الأكبر من بلدان العالم، ومنها عدد من البلدان العربية، والبلدان النامية وذلك لحفظ سلامة المواطنين- وهو بالطبع منع التدخين منعاً باتاً في كل الأمكنة العامة المغلقة.

    وسبب هذا القانون المبتور حسب ما جاء في المقال المذكور أعلاه هو خوف النائب، وربّما اللجنة التي كان يرئسها، من عدم إمكان تطبيق القانون الصحيح الذي يحمي حقاً صحة المواطنين ويخفـّض أعباء موازنة الدولة بثلاثمئة مليون دولار سنوياً.

    لماذا هذا الموقف الـُمحبط؟ لماذا لا نستطيع تطبيق قانون يمنع منعاً باتاً التدخين في الأماكن العامة المغلقة، كالمقاهي والمطاعم؟ لماذا يستطيع الطليان والاتراك المعروفون بشغفهم بالتدخين أن يحترموا قانوناً يمنع التدخين منعاً باتاً في المطاعم والمقاهي، ولا نستطيع نحن فعل ذلك؟

    هل أصحاب المقاهي والمطاعم في لبنان من الجهال أو من المتخلـّفين عقليّاً أو ثقافيّاً؟ لا أظن، بل العكس هو الصحيح. فهم من الطبقات الاجتماعية الأكثر اطـّلاعاً على ما يجول في العالم. همّهم الأوّل هو ألا يخسروا زبائنهم. والدراسات بيّـنت أنّ في البلدان العديدة التي أقرّت قانوناً يمنع منعاً باتاً التدخين في الأماكن العامة لم يتأثـّر هذا القطاع سلباً. وهذا واضح بالعين المجردة، فلا يمكن القول إن مطاعم باريس، ونيويورك، وروما، ودبي أو اسطنبول مثلاً فارغة من الزبائن!

    والحقيقة أنّ منافع قانون كهذا ستعود بفائدة أكبر على أصحاب المقاهي والمطاعم والعاملين فيها. فهناك أكثر من سبعين ألف شخص في لبنان يعملون في هذه المرافق السياحية، ومنهم عدد كبير من الشبّان والشابات، اليوم صحتهم معرّضة لمخاطر كبيرة من جراء التدخين السلبي الذي يتعرضون له خلال ساعات عملهم. والواضح أنّ تخصيص مكان للمدخنين، كما هو مشروع القانون اليوم، لن يحمي صحّتهم ولن يحمي صحّة المواطنين روّاد هذه الأماكن العامة، ومنهم أولاد ومراهقون وشيوخ وهم الأكثر تأثـّراً بأضرار التدخين المميتة. إنّ الواقع في لبنان خطير إذ إنّ نسبة التلوث من جراء التدخين في المقاهي والمطاعم عالية جداً وتصل أحياناً الى الالف ذرة في المتر المكعب، علماً أنّ منظمة الصحة الدولية تعتبر 251 ذرة رقماً خطيراً يهدد سلامة الصحة العامة.

    ويشير النائب مجدلاني إلى الفوضى والمحسوبية ليفسر خشيته من عدم تطبيق القانون كاملاً وصحيحاً دون استثناء. ولنفرض جدلاً أنّ هناك مناطق حيث تؤمّن الزعامات غطاءً لعدم تطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة كالوزارات والسوبرماركت والمطاعم والمقاهي. وبما انه لن يتم الأمر بالسر كحالات الفساد مثلا التي تتمّ في الباطن أو خلسة، فالتدخين الممنوع سيكون علناً. حينئذ ما الذي يمنع النائب مجدلاني وغيره من النواب الحريصين على الصحة العامة ومن الإعلاميّين وأصحاب الرأي والمعنيين، من الانتقاد العلنيّ لهذه الظاهرة التي قد تعبر بوضوح، اذا حصلت، عن تخلــّـف الزعيم أو احتقاره لصحة التابعين لزعامته أو الاثنين معاً؟

    وعلى سبيل المثال، يعلم الجميع أن لا أحد يدخن في صالات السينما في لبنان. ويحصل هذا دون مساندة قانونية، ويعبّر عن درجة الوعي العالية التي يتحلـّى بها أصحاب صالات السينما وروادها، وعددهم ربما يُقدّر بمئات الألوف سنوياً. إذاً، المدخنون في لبنان لديهم قدرة على ضبط النفس ساعات طويلة و متتالية. كما أن هناك ملايين اللبنانيين المنتشرين في العالم يحترمون قوانين منع التدخين التام الساري في العدد الأكبر من بلدان العالم.

    وربما يعلم المشترع اللبناني أنـّه لا يوجد أيّ إثبات في أنّ إدخال استثناء على قانون قد يسهل تطبيقه، كما يعلم أنـّه يترك من خلال هذا الاستثناء انطباعاً خاطئـاً بأنّ القاعدة غير مُلزمة.

    المطلوب من المشترع اللبناني اليوم اعتماد قانون صحيح يحمي حقيقة صحة المواطنين ويخفـّف من أعباء وزارة الصحة بما لا يقلّ عن ثلاثمئة مليون دولار سنوياً. المطلوب استباق تطبيق القانون ومواكبته بحملات توعية وتثقيف، خاصة في المدارس والجامعات. المطلوب أيضاً دعم برامج جادة تساعد من يريد على الاقلاع عن التدخين.

    المطلوب من المشترع اللبناني أن يتـّصف ببعض الشجاعة وبروح القيادة وبالإيمان بأنّ اللبنانيّين اليوم قادرون على التقيّد بقانون واضح غير مشوه يحمي صحتهم من مضار مميتة ويخفف أعباءً جسيمة على ميزانية الدولة المدينة. إن قانوناً كهذا ليس ترفاً، فالقضية حياة طيّبة او إنتحار غير مشرّف.

    ندى صحناوي
    جريدة النهار
    27.01.2010

    Leave a Reply