• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لبنان: التباس المعاني وتداخلها

    من المتعارف عليه، في البلدان الديموقراطيّة، أنّ خفض سنّ الاقتراع مطلب تقدّميّ، وأن إنجازه مكسب يغني الديموقراطيّة. فهو يُدخل إلى حلبة السياسة القطاع الأكثر ديناميّة والأشدّ ضجيجاً بالأفكار ومواكبةً للجديد. وهذا، فضلاً عن أنّ مفهوم «النضج» والعمر الذي يلازمه متحوّل ومتغيّر، يعمل التقدّم التقنيّ كما الثقافيّ، ومن دون توقّف، على توسيعه.

    أمّا الطائفيّة السياسيّة فغنيّ عن القول إنّ من يتمسّك بها رجعيّ ومتخلّف، يجمّد الزمن عند ما كان عليه ذات مرّة، ويثبّت العلاقات الاجتماعيّة على أسوأ وجوهها وأشدّها عداءً لمفاهيم الفرديّة ولمعايير الكفاءة وللمجالات التي يتيحها الخيار الحرّ.

    كذلك ينطوي الموقف التقدّميّ ممن يغترب عن البلد على تشجيع اندماجه في البلد الذي يهاجر إليه، فلا يتحوّل ذاك المهاجر إلى جزء من غيتو اختياريّ في البلد المقصود، ولا يقيم، هو وأهله، على نسيج من الولاء الممزّق والمضطرب، سيّما وأنّ مكان الإقامة والعمل ودفع الضريبة هو مكان السياسة والمشاركة في القرار، أو هذا ما يُفترض أن يكون.

    هذه المعادلات التقدّميّة إلى أيّ حدّ تصحّ في بلد كلبنان، وفي بلدان عربيّة وعالمثالثيّة أخرى كثيرة تشاركه مواصفاته؟.

    لنقل إنّنا نحن، الـ18 طائفة، نتبارى، منذ عقود، في الارتداد من سويّة الوعي الوطنيّ، الذي لم يُقلع أصلاً، إلى سويّة الوعي الطائفيّ والتجمّعيّ. أمّا منطقتنا الأعرض فتزداد انزراعاً، يوماً بعد يوم، في الهويّات الصغرى، فيتعاظم حصار الأقليّات واجتثاثها فيما تتّسع رقعة الحكم بالفتوى. وفي مناخ كهذا، فإنّ أبناء الـ18 سنة يبدون أكثر طائفيّة ممّن هم أكبر سنّاً وأكثر تجريباً، كما يكونون، والشواهد لا تُحصى، أشدّ استعداداً لاستخدام العنف والميليشيا انتصاراً لطوائفهم وذوداً عنها.

    وإذ يغدو الخوف عملة التبادل الرائجة بين الجماعات، يصير العدد، عدد الطوائف لا عدد المواطنين، معيار القرار، وتتسمّر «الأكثريّة» و»الأقليّة» بوصفهما انقساماً جوهريّاً موروثاً، لا انقساماً في الرأي متحوّلاً ومتغيّراً.

    والخوف الذي يغذّيه السلاح، ويظهر، بين الفينة والأخرى، أشخاص كأبو موسى ينفخون في ناره، يجعل الدعاوى ذات الظاهر «التقدّميّ» رجعيّة جدّاً. هنا، يحضر الدور الذي يلعبه بطلا المماحكة الحاليّة، نبيه برّي وميشال عون: أوّلهما يخيف والثاني يخاف ثمّ يعمّم الخوف على جمهور مهيّأ. ومن خلف الجدار يقف شقيق أكبر لا تنقصه الخبرة في تحويل خوف اللبنانيّين ديناً يشملهم جميعاً، كما يشمل الفلسطينيّين في لبنان. ومعروف مَن الذي يحترف إنجاد الخائف ممن يخيفه بحيث يتراكض الكلّ على رسمه راعياًً إقليميّاً.

    إنّ ثمّة عفناً في هذا النقاش، مصدره الخفيّ استعارة عناوين تقدّميّة وإلصاقها بتراكيب رجعيّة. والمصدر البعيد الذي يبرّر استمرار هذا التلفيق بين ما نستعيره من أوروبا وما ننتجه نحن أنّنا لا نريد حقّاً أن نكون تقدّميّين، أي أن نأخذ التجربة الغربيّة ونتبناها، كما لا نريد أن نكون وطنيّين حريصين على استرداد قرار هذا البلد إليه، وأوّل الخطى في ذلك أن يطمئنّ الجميع وأن يكون القانون والدولة المصدرين الوحيدين للطمأنة.

    فلماذا ما دمنا نتحدّث عن أهداف بعيدة، لا نضع العلمانيّة في أفقنا، ولا نحاول تنظيف مجتمعنا من كلّ سلاح، سيّما وأنّ «قضايا الانقسام الوطنيّ» الموصوفة بالمصيريّة، هي دائماً ما كان يعزّز الولاءات والمخاوف الطائفية؟. بعد ذاك فلنناضل جميعاً من أجل أن يصوّت ابن الـ18 ومن هو أصغر سنّاً إن أمكن، ولنتخلّص من خرافات الهجرة والمهاجرين الذين ينصرفون، كأفراد لا ككتل، الى بناء مستقبل لا تؤرّقه النوستالجيا الرومنطيقيّة.

    هكذا نكون تقدّميّين بالكامل وبالجملة لا بالتقسيط والانتقاء الانتهازيّ، كما نكون فعلاً… وطنيّين.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    26.01.2010

    Leave a Reply