• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نهاية نظام التكاذب

    لم يعد خافيا إذاً، ان النظام البيئي في لبنان بات مختلا. لم يعد مستورا فساد النظام الغذائي ايضا. لكن ما لم يكشف عنه بعد، علاقة النظامين البيئي والغذائي ببعضهما، وعلاقتهما بالنظام السياسي وببقية الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية… المفسدة أيضا وأيضا.

    كما لم يعد معلوما اذا كانت كلمة «اصلاح» لا تزال وافية لمعالجة مشاكل الأنظمة الطبيعية والإدارية جميعها. الفساد ضرب كل شيء. فقضايا مثل الغاء الطائفية السياسية، الى قضايا مثل الانتخابات البلدية الى التعيينات الادارية، الى ازمة النظام البيئي وفساد النظام الغذائي… كلها باتت متداخلة وتعبر عن ذروة تأزمها.

    هناك تعريفات عدة للنظام كما هناك تعدد في انواع النظم، الا انها تشترك جميعا في اعتبار النظام مجموعة من العناصر المختلفة والمتفاعلة باستمرار والتي تشكل كلا موحدا، سواء أكان النظام مقفلا او مفتوحا.

    اختلافات العناصر داخل النظام، هي اختلافات طبيعة، لا بل اساسية. المهم كيفية التفاعل بين هذه العناصر المختلفة. المهم اكتشاف آليات التفاعل التي تجعل من اي نظام كلا موحدا، يسير ويستمر ويدوم ويؤمن بعض الاستقرار. هذا ما نتعلمه من الانظمة الطبيعية. ليس هناك انظمة ابدية بالطبع، وبالتالي لا استقرار دائما ايضا. ولكن دورات حياة الانظمة الطبيعية اطول بكثير من دورات حياة الانظمة الاصطناعية، سواء اكانت سياسية او اجتماعية او اقتصادية او آلية… ربما فقط لأنها طبيعية.

    المشكلة ان نظام الحياة الذي نعيشه في لبنان، ليس نظاما. وليس طبيعيا بالطبع، اذا كان معنى النظام، هو السير بانتظام ووفق قواعد محددة. فالاستمرارية في النظام تؤمن نوعا من الاستقرار الذي يؤمن بدوره طمأنينة ما. وهذا ما تفتقده معظم الانظمة المتفاعلة والمتداخلة في لبنان. في كل نظام تحصل فوضى ما، ولكن اي نظام طبيعي، ومهما كان صغيرا، تبقى له آلياته لاستيعاب الفوضى والاستمرار في الاشتغال والتفاعل.

    وتتعقد المشكلة اكثر واكثر عندما لا تكون العناصر المختلفة في النظام هي نفسها، او منسجمة مع نفسها اولا. او عندما تصاب في انفصام في شخصيتها. فهي تقليدية وتشتهي الحداثة وكل ما هو حديث وجديد. هي رجعية وتطلب التقدم. سلطوية وتتحدث عن الديموقراطية. ابوية ذكورية وتطالب بالمساواة وبكوتا للنساء. حزبية طائفية وتطالب بالعلمنة او بإلغاء الطائفية السياسية. فردية وتتحدث عن مصلحة الجماعة. مذهبية ومناطقية وعشائرية وتبشر ببناء الدولة وحقوق الفرد. شبه جاهلة وتطالب بأن يحمل المخاتير شهادات مدرسية. مدنية وتعيش من خبز الطوائف. نهمة ومفجوعة على الاستهلاك وتريد ان تحمي البيئة!

    اكتشف البعض ان علة النظام الكبرى عندنا هي في الطائفية. ولكن السؤال الذي يمكن ان يسأله البعض الآخر: ما هي طائفة من شخص هذا الداء؟ وهل المشكلة الاساسية هي في الطائفية فقط ام لاننا لم نستطع ان نجد نظاما يستطيع ان يوفق بين الطوائف والأنظمة المختلفة؟ وإنتاج ثقافة منفتحة تستوعب الثقافات المختلفة؟ هو نظام معقد بالطبع، ولكنه لن يحلحل بحل عقدة واحدة، «الغاء الطائفية السياسية» بالتأكيد.

    كما ان مشكلة النظام السياسي – الطائفي لا تحل عن طريق اولاد النظام الطائفي، عبر تخفيض سن الاقتراع. كما لا تحل عبر الادارات المحلية العائلية. يمكن ان لا تحل هذه الاشكاليات ابدا. الا ان المهم ان نقاربها بصدق، من دون اقنعة العلم والحداثة وطلب المساواة والديموقراطية… ومن دون تلك الازدواجية في التفكير والتقييم والفعل.

    كان مضحكا اقتراح ان يحمل رئيس البلدية او المختار شهادات مدرسية او جامعية ما! فهل النظام البلدي لا يسير الا إذا حمل المختار شهادة ما. فنظام القرية يمكن ان يؤمنه «شيخ القبيلة» او «شيخ الصلح»، او الحكيم او استاذ المدرسة او كاهن الرعية او الشيخ… اكثر من حملة الشهادات غير العملية والجهال بقضايا العلاقات الاجتماعية القروية.

    فإذا كان المهم ان يتأمن الانتظام العام، ان تتأمن درجات معقولة من الاستقرار والأمان، فلن تعود مهمة هوية وثقافة المنظم، الا لناحية فعاليتها وحسن تفاعلها مع النظام السائد وتأمين استقراره. وقد دلت التجارب ان بعض متعلمي هذا الزمن قد خربوا الكثير من طبيعة البلدات الجميلة بمشاريعهم الحديثة التي وضعت الزفت فوق التراب والباطون بدل الحجارة والبناء فوق مصادر المياه والتنمية على حساب ديمومة الموارد.

    فمشكلة القرية الحديثة انها لم تعد قرية. ونظام العلاقات بين الناس تغير وتخلخل، حين غذت الانماط المدنية القرى في كل شيء. وربما باتت بحاجة الى عودة مجانينها (الاكثر صدقا) لاعادة توزناتها، أكثر من حاجتها إلى متعلميها.

    ولعل المشكلة الاعمق في نظامنا، مهما كان شكله، هي في فساد النفوس، والكذب والعيش بازدواجية. ازدواجية الحكم، بين حكم التقاليد وحكم القوانين، وازدواجية القيم، بين قيم المجتمع والدين وقيم السوق والحداثة، وازدواجية العيش بين الفكر والفعل… وقد باتت الغالبية الساحقة مشاركة بشكل او بآخر في صناعة الاكاذيب وتصديقها، حتى أصبحت الحياة الكاذبة طبيعية وعادية جدا. اصبح الفساد مقبولا ومسكوتا عنه، كأنه من طبيعة النظام.

    وإذ طالت فترة غياب الدولة وتطبيق القوانين، تركت الامور لكل شاطر حسب شطارته. الا ان «الشطارة»، التي تعني الكذب، يمكن ان تكسب صاحبها القليل على المدى القصير، وتخسره الكثير على المدى البعيد.

    وإذ دخل الكل في لعبة التشاطر والتكاذب، وغش المفكر بالفكر والواعظ بالإرشاد والمدرس في التعليم والخباز في الخبز، والنجار في الخشب والطبيب بالصحة والصيدلي بالدواء والمزارع بالمبيد والميكانيكي بالفرامل… فقدنا السيطرة على النظام ودخل الكل في الكل بمنحى يشبه الانتحار الجماعي. فهل هذا ما نعيشه مؤخرا؟

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    26.01.2010

    Leave a Reply