• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    حياتنا فدى المقاومة

    لم يتسنّ لي حضور برنامج “كلام الناس” حين تناولت حلقته مسائل الغذاء والماء والتلوّث. لكنّ معظم الذين التقيتهم منذ ظهور مارسيل غانم الأخير على محطّة “إل بي سي”، تحدّثوا عن تلك الحلقة، وهم تحدّثوا وكأنّهم يجمعون بين دهشة الاكتشاف وصدمة الرعب.

    وهذا الاهتمام بشأن مدنيّ بالغ الحساسيّة وبالغ التأثير غريب تماماً عن الجوّ السياسيّ الطاغي. فهنا يتّحد المواطنون كلّهم، أو هذا ما يُفترض نظريًّا، دفاعاً عن حياتهم وصحّتهم وردًّا على خطر يطالهم جميعاً. ذاك أن المسيحيّ والمسلم، والسنّيّ والشيعيّ، كلّهم يأكلون الطعام الفاسد نفسه ويشربون الماء الملوّثة إيّاها، كما أنّ الذين يبثّون هذه الأوبئة في لحمهم وخضارهم ينتمون إلى الطوائف جميعاً، وهم أنفسهم يلحقون الضرر بأبناء الطوائف كلّها.

    لا أزعم أن التبشير الحسن النوايا المناهض للطائفيّة، حتّى لو اتّصل بمسألة في مثل هذه الحيويّة، ينهي مشكلة الطائفيّة ويُحلّ وعياً وسلوكاً في محلّ الوعي والسلوك السائدين والسيّئين. لكنّي أزعم شيئين آخرين، أوّلهما أنّ توسيع الانشقاق حول “القضيّة” (والمقصود هنا سلاح حزب الله أساساً) يوسّع الفجوة بين الطوائف ويقلّل فرص الانكباب الوطنيّ العامّ على المشكلات المدنيّة الجامعة. والثاني أنّ إهمالاً كهذا لحياة المواطنين وصحّتهم ما كان ليستفحل إلى هذا الحدّ، فاتكاً بالجميع من غير تمييز، لولا الضعف الراهن للدولة ولقدرتها على فرض آليّات لرقابة صحيّة مُلزمة. وواحدنا كان ليرضى بدولة طائفيّة متى كانت تستطيع القيام بوظائف خدميّة نافعة، أمّا أن تكون طائفيّة وعاجزة عن أداء تلك الوظائف فهذا ما يجعل المصيبة مصيبتين.

    والحال أنّنا ندفع اليوم من صحّتنا ومن حياتنا ثمن ضعف الدولة، وفي بعض المجالات انعدامها التامّ.

    لكنْ كيف يمكن للدولة أن تنشأ فيما الهمّ العام لا صلة له جملةً وتفصيلاً بالشأن المدنيّ؟. فنحن الآن نواجه ازدواج السلاح الذي يمنع قيام الحدّ الأدنى من الدولة، لكنّنا أيضاً، وبسبب “السلاح المقاوم”، نعاني هيمنة الشأن الموصوف بالاستراتيجيّة وبالمصيريّة على حياتنا، والمقصود هيمنة المقاومة والتصدّي لإسرائيل والاستعداد لحرب مقبلة قد تشنّها على لبنان الخ… وهذا إنّما يرقى إلى تبديد للوعي وتشتيت للطاقات التي كان يمكن صبّها جميعاً في معركة تحسين حياة المواطنين وشروطها.

    فعندما نصبح كائنات استراتيجيّة تصمد وتتصدّى وتناضل وتقاوم وتنافح ساعيةً إلى الشهادة كطموح أعلى، لا يعود مهمًّا كثيراً إن كان أكلنا نظيفاً أو ملوّثاً. وحينما تستحيل الدولة، كمصدر خدمات ورعاية، بسبب “القضيّة” وتحت وطأة جيشها وسلاحها، يصير التعامل مع “تفاهات” كهذه لزوم ما لا يلزم. ذاك أن حياتنا فدى المقاومة، في أيامنا على هذه الأرض وفي غدنا في السماء. والذي لا يريد أن يكون فدى المقاومة، عليه اللجوء إلى… الدولة (الممنوعة من القيام).

    حازم صاغية
    NOW Lebanon
    25.01.2010

    Leave a Reply