• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الحكم المدنيّ

    الحكم المدنيّ حكم وجوديّ أي قائم على وجود ناس مرتبطين بعضهم ببعض ببناء المدينة التي ينتمون اليها وامتداداً لهذا ينتمون الى تجمّع مدن وقرى يسمّى وطنا ويرثون هذا الوطن من التاريخ الذي جعله كيانا أرضيا يحتوي بشراً لا صفة لهم إلا بكونهم مجتمعين جسدياً، متعاونين في تراكم إنساني، في تفاعل إنساني لا ميزة لأحد منهم على آخر واجتماعهم اجتماع مهن يعيش الكل بها لأنها متكاملة ونافعة لعيش واحد.

    كل مهنة تستند الى الأخرى ومجموعتها اقتصادهم وفق المقولة الرومانية القديمة: “في البدء حياة وبعد هذا تأتي الفلسفة” أي انهم لا يجعلون أي معتقد عنصر مشاركة في ما بينهم. الحياة وحدها كما هي في بساطتها وجمالها ضمانة استمرارهم، ولا يحتاجون الى شيء غير الحياة يقضونها بينهم وفي عيالهم ولا أفق لهم سواها تنبسط امامهم كما ينبسطون عليها.

    هذه قراءة الوجود البسيط الذي لا يسأل عن ديانة أحد ولا يسمح لديانة أن يكون لها انعكاس سياسيّ. والأمر ليس لمؤمنين دون مؤمنين من الطرف الآخر. الديانة تفسير، والوطن وجود لا تفسير فيه. فيه حق أدنى من الأخلاق المجتمعية الضرورية للتعايش بلا موت. ومعنى ذلك أنك لا تقتلني ولا تقصيني بسبب إيماني عن المعايشة الجماعية ولا تعطّل وجودي في الحكم ولا تسند الحكم تمايزا لفئة دينية تريد حكماً يزعم أن السماء تكلّمت عليه.

    انت تنظّم العيش مع كل أهل البلد يستلهمون ما يستلهمون ولكنهم لا يفرضون على حياة الأرض ما لا يرضى عنه أهل الأرض في معيّتهم. هذا لا يمنع فريقاً أن يقترح ما يشاء، والاقتراح يقاس بما ينفع الأرض. الوطن فيه أديان مختلفة ومذاهب. هذه لأصحابها خيارات، ولكونك تحافظ على حياة الآخر تستقبل خياره بفرح ولا تفرض عليه شيئاً إن لم يكن متأصلا بمنافع له ولك وذلك في عدل له ولك. وله أن يؤثر خياره لأنه هو خياره وتُسرّ أنت بحريته. بكلام أبسط المجتمع العام يتعامل مع شرائح تنتمي الى ديانات مختلفة وهذه الشرائح تحيا بدياناتها وقد تستمدّ منها مواقف سياسية – لأن الدين في الحياة بما فيها الجانب السياسيّ – لكن هذا لا علاقة له بالعدد ولا بتوازنات عددية. الأديان مصدر استلهام ولكن لا علاقة لها بقيام مؤسسات الدولة. قد تستوحي المصادر الدينية استيحاء لقانون وضعيّ، وقد يأتي القانون الوضعي حراً من أي استيحاء دينيّ ولكن لا يصدم ضمير الناس وإخلاصهم الروحيّ.

    •••

    عندما أقول حكماً مدنياً اذاً لست أقول حكما خارجا عن القناعات الروحية عند الجماعات او مناقضاتها. اقول فقط إن المواطن ذو هوية وطنية اي يعتبر أنه عضو في مجتمع وطنيّ واحد ليس مؤلفاً من أجزاء دينية. هذه لها وجودها الحر وشرعيتها وملء حقّها بامتداد غير قسريّ اي لا تقمع او تضطهد او يضطهدها آخر. وتخاطب بعضها بعضاً لأن انقطاع الخطاب تقوقع وانقطاع حياة. الجماعات الدينية تتحاور دينيا اذا شاءت، وهذا من شأنه أن ينعش البلد. هذا مستوى والتحاور السياسي بين الناس وطنيّ ولا علاقة له بالطوائف لأن الطوائف لا وجود لها وطنياً. التلاقي الفكري أو التباعد الفكري شيء آخر. يتّضح من هذا الكلام أن المستوى الوطني والمستوى الطوائفي لا يلتقيان. إنهما هويتان مختلفتان كلياً. عندما أقول إن المستويين لا يلتقيان أريد أن طائفتك ليست درجة من الوجود تصعد عليها لتصل الى الوجود الوطني. ذلك لأن الدين ايمان نازل عليك من الله ويمسّ قلبك ووجدانك وعقلك وسلوكك وتربيتك ومعاشرة أهل الإيمان الذي انت منه. وهؤلاء جماعة مستقلّة قاعدتها غير قاعدة الوطن الذي يأتي من هذه الأرض.

    عند هذا السؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة هو ما العمل اذا كان الناس يختلط عليهم المستويان الطوائفيّ والوطنيّ بحيث يرون أن الطوائفيّ يجب أن يخترق الوطنيّ، أن يدخل فيه، أن يستوطنه بحيث تتم سيطرة الطوائفيّ على الجمع الوطني او يستخدم الوطن للطائفة. في بلد كهذا أتوقع أن الارتفاع من الطوائفيّ الى الكيان الجمعيّ صعب للغاية، فاذا تطيّفت النفس لا ترتقي الى ما يجمع الناس كلهم ومعا: “ان النفس لأمّارة بالسوء” (يوسف، ٣٥).

    لا يكفي الخطاب الداعي الى الوحدة الوطنية بمعنى تخطّي الطائفية. فالناس يعيشون هويتين على الصعيد السياسي. ليس شعور الإنسان بإخلاصه لإيمانه يعرقل التدرّج الى الوطن. المشكلة في خلط المستويين الطوائفي والجمع الوطني، تصادمهما هو المشكلة. كيف تجتنب التصادم، هذا هو السعي؟ يسامحني القارئ إن بنيت كل هذا التأمل على قول المسيح “مملكتي ليست من هذا العالم” (يوحنا ٣٦:١٨). هذا لا يعني أن المسيح لا يريد روحه أن يسود العلاقات البشرية. هذا يعني أن السياسة لها ذاتيتها المبتلة بالروحيات والخلقيات، ولكنها نطاق له قواعده وتقانته ولغته وأسلوبه وان ملكوت الله له قواعده ولغته وأسلوبه.

    هذا يعني أن اللعبة السياسية تقوم على حكمة كبيرة تجعلنا نميّز بين مستويي الوجود في هذا الدهر، ولا يعني أني ادعو الى التضحية بالعدد والوظائف والمناصب في سبيل نوعية مرجوّة ولكنها غير محققة. في حكمة هذا الدهر، القويّ في عدده تدفعه شهوة السلطة الى استصغار الصغار والسيادة عليهم. أعتقد ان الحياة كما نعيشها تقضي بأن نحمي الصغار والقلّة لئلا يحقق عند الكبير كلام التنزيل القرآني: “ان النفس لأمّارة بالسوء” ويجب أن يتحقق في آن معا عند أهل الإنجيل: “مملكتي ليست من هذا العالم”.

    يبقى الأساس أننا لسنا من هذا العالم ولكنا فيه بحسب قول يوحنا الإنجيلي.

    أعلم أن كل الوجودات متشابكة في الحياة القومية وأن القدرة على التمايز بين الأشياء أي فصلها وجمعها لأمر في غاية الصعوبة. ولكن إن لم نسعَ الى هذا لا نبني وطناً ولا نبني ديناً غير مكبّل بالسياسة. هناك تحرير للوطن من وطأة الطوائف وتحرر للإيمان من دخول السياسة اليه. هذا إصلاح يقتضي نزول نعمة الرب علينا وتربية اجتماعية كثيرة في قوّتها حتى نخلد الى السلام.

    المطران جورج خضر
    جريدة النهار
    23.01.2010

    Leave a Reply