• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    جنود يتصالحون بمكر

    تتراجع حدة الانقسام السياسي وتتقدم لغة “المصالحات” و “التوافق” في المشهد السياسي اللبناني الداخلي، وتزداد نصائح بعض السياسيين لخصومهم بالالتحاق بقطار المصالحات وعدم تفويت الفرصة للعيش في نعيم المصالحات ومكاسبها.

    وإذا كان المواطن اللبناني قد أنهكته ظاهرة استشراﺀ الانقسام في السنوات الاربع الماضية الذي عطل دورة الحياة الطبيعية على مستوى الدولة ومؤسساتها… وصولا الى استباحة امنه واستقراره، فإن مشهد المصالحات لم يكن مشهدا يبعث على الطمأنينة، بل يستثير القلق والخوف، كما الإنقسام. واللبنانيون يعرفون المثل القائل: “الزايد خيّ الناقص”! ! فقبل يومين نفى نائب رئيس المكتب السياسي في “حزب الله” محمود قماطي، ما نسبته اليه جريدة “الدار” الكويتية خلال حديث اجرته معه، قوله: “لا ضمانات لعدم انقلاب النائب وليد جنبلاط في المستقبل”.

    القول ونفيه، ينمان عن الشعور بأن ما يجري على صعيد المصالحات لا يتم انطلاقا من قناعة وثقة، بل شبهة الاكراه تبقى ماثلة بين أيدي المتصافحين، ان لم تكن على وجوههم، وإن لم تكن كذلك فإنّها قائمة لدى الآخرين.

    ذلك ان خطاب المصالحة الذي افتتحه جنبلاط، في اعقاب احداث 7، 2008ايار بالغ خلاله في اظهار التطويع الذاتي لخطابه السياسي، ولم ينجح في اقناع جمهوره بالخطاب الانقلابي الجديد، بل ربما نجح في تظهير قوة الاكراه التي فعلت فعلها ودفعته الى اختيار وجهة سياسية اخرى.

    فمشهد جنبلاط، في كلّ مرة يظهر في الإعلام، يبدو كما لو أنّه يتقصّد الإيماﺀ لجمهوره بأنّه مكسور ومحاصر ومجبر لا، بطلا ربما تمهيدا لانقلاب جديد لاحقا.

    هكذا كان تغيير المعادلة عسكريا على الارض وسيلة للتطويع، وأسّس للمصالحات من بعدها، عندما ادرك معظم قوى 14 اذار ان السلاح بات عنصرا اساسيا في الصراع الداخلي ولا يمكن تحييده. انطلاقا من هذه الوقائع تأسّس اتفاق الدوحة وثبت الثلث المعطل او الضامن، وترسّخت قواعد لادارة السلطة. لذا لم يشكل التوافق، الذي انتج الحكومة الاخيرة بعد خمسة اشهر من الانتخابات النيابية، توافقا مقنعا للبنانيين، فهو لم يعكس وجود قرار حر للمنضوين تحت مظلته، بل عبّر من جهة عن قدرة فائقة للتطويع لدى فريق 8 آذار، ومن جهة ثانية بروز تفاهمات اقليمية ساهمت في تلطيف التطويع والتخفيف من سطوته.

    المعادلة السياسية هذه بدت ساقطة من فوق، ولا يبدو اليوم انها تسري في عروق البلد بيسر، ولعل السجال الذي أطلقه رئيس مجلس النواب نبيه بري حول تشكيل الهيئة الوطنية لالغاﺀ الطائفية السياسية كشف في بعض وجوهه عن مدى غياب الثقة، سواﺀ على الصعيد السياسي أو لجهة الخوف الطائفي والمذهبي الذي بدا متغلغلا في النفوس… فالشيعة، كما بدا من خلال السجال البري – الصفيري (نسبة الى البطريرك نصر الله صفير)، أظهر خوف الشيعة على سلاحهم، وخوف المسيحيين على قلة أعدادهم، فيما حار السنّة في تهدئة المسيحيين وطمأنة الشيعة.

    هكذا بدا واضحا، في الإعلام، ما هو صريح وظاهر على الأرض، وهو غياب الثقة، حتى بين أبناﺀ الفريق الواحد، إن في 8 أو في 14 آذار، إضافة إلى أنّ الأوضاع على الأرض أكثر هشاشة مما يصوّر، على المستويات كلّها، خصوصا الدرزية – الشيعية، لمن يتابع مجريات الأمور على الأرض.

    المصالحات أُسقطت من فوق، والتربص والتربص المقابل يبقى قائما، والشعور بالاستقواﺀ والغلبة لم تبدله المصالحات. فمشهد النائب مروان حمادة في دارة الوزير وئام وهاب، بعدما كان يرفض حمادة ان يذكر اسم صاحب الدار في حضرته، هو بالتأكيد مشهد منفر لمن تحلقوا حول حمادة في يوم من الايام، وهو في المقابل مشهد يعكس اعجابا لدى البعض الآخر بكفاﺀة الوزير وهاب.

    المشهد كلّه يتّسم بالغرابة. لا المتصالحون مقنِعون، ولا رافضو المصالحات محِقّون ويقولون كلام حقّ يراد به حقّ. إنّها حفلة جنون صامت، مزيّنة بالمصافحات الصفراﺀ.

    يبدو السياسيون اللبنانيون هذه الأيام كجنود، أعداﺀ متروكين في الساحة بلا أسلحة، بعضهم بعضلات وبعضهم كان معتادا على التكنولوجيا الحديثة، بلا عضلات، والإقتتال ممنوع، وعليهم أن يتصالحوا وأن يبتسموا.

    وعلى غرار تسمية “سلام” الأقوياﺀ التي أطلقها الراحل أنور السادات، يمكن القول إنّ ما يجري في لبنان هو “سلام مبتور”، أو “مصالحات مبتورة”، في اللغة اللبنانية، أو “مصالحات الهدنة”، التي تكون موقتة دوما.

    علي الأمين
    جريدة صدى البلد
    16.01.2010

    Leave a Reply