• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لـنـنــتــفض ضــــد المحاســيــب

    يتردد الحديث حول مسؤولية اللبنانيين في ما يحصل لهم إجمالاً من مصائب وويلات وأزمات وتعثر وطني. وفيما يعتبر البعض أن هذه المسؤولية تقع على النخب السياسية التي تدير البلد، يستدرك بعض آخر بالقول إن تشكل النخب السياسية نفسها هو بالأساس من مسؤولية اللبنانيين. أفلم يقل الإمام علي انه مثلما تكونون يولّى عليكم؟

    لكن على مشارف سنة جديدة وكذلك على أبواب مرحلة جديدة من حياتنا الوطنية مع دخول عهد الرئيس ميشال سليمان النصف الثاني من عامه الثاني وإعادة تشكيل السلطة من خلال انتخابات عامة – محضها السيد سالافرانكا شرعية دولية قبل حتى أن ينظر المجلس الدستوري اللبناني في الطعون والمراجعات التي آلت إليها تلك الانتخابات – وتشكل حكومة ائتلاف وطني جمعت أضداد الأمس والقوى السياسية الرئيسة التي منحها اللبنانيون ثقتهم في الانتخابات الأخيرة، ومع تبوؤ رئيس الحكومة سعد الحريري سدة المسؤولية الرسمية وهو ابن الشهيد رفيق الحريري مع ما يحمله ذلك من رمزية، وفي ضوء كل هذه البدايات، لا بد ان نفتح ثغرة في جدار التشاؤم السائد حول قدرة اللبنانيين على إصلاح أوضاعهم وعلى بناء دولتهم القائمة على الحق في محيط لا يعرف الحق بل الغلبة. لذا فإننا نرى الانصاف في رؤية المشهد السياسي اللبناني في وجهيه: وجه سلبي، لا داعي لوصفه وهو السائد، ووجه ايجابي بل مشرق غالباً ما نغيبه في تحليلاتنا وفي حساباتنا التبسيطية.

    ما هو هذا الوجه المشرق؟ وأين هو؟ ولماذا هو مغيب أو مستضعف على السواء؟ إن الوجه المشرق للبنان كامن في طاقات خيّرة موجودة في مجتمعه السياسي ومجتمعه المدني على حد سواء وفي مبادراته – وان لم تفلح دائماً – وفي الرؤى الإصلاحية والتغييرية التي لم تفارق حياتنا السياسية والمدنية منذ تأسيس دولة لبنان الكبير. انه يكمن في مسارات فردية ومؤسسية وجماعية تلاحقت في كل الحقب فكانت ترفع الصوت وتنذر القلم وتحشد القوى المعترضة والمحتجة والمطالبة والحالمة. واذكر على سبيل المثال لا الحصر على المستوى السياسي نفسه، حلم الرئيس رياض الصلح في دولة وطنية تتحرر فيها الأمة من الطائفية، وحلم السيد موسى الصدر في دولة ترعى المسألة الاجتماعية، وحلم الرئيس فؤاد شهاب في دولة تحقق المواطنة الحقة والإنماء، وحلم كمال جنبلاط في الدولة العادلة وصاحبة دور إقليمي بل عالمي غير منحاز – في الأصل – وحلم العميد ريمون اده بدولة القانون – المبني على الحق طبعاً… ونعتذر عن ذكر أحلام رجال السياسة الحاليين أطال الله عمرهم لتجنب الدعاية ولأن أحلام معظمهم ملتبسة والبعض الآخر محاصر لا حول له ولا قوة إلا المحافظة على وجوده على الساحة وعلى الشاشة…

    أما مبادرات المجتمع المدني فكثيرة ومتواصلة لا بد ان نذكر منها صفحات مشرقة من النضال ضد الحرب في زمن الحرب ومن اجل وحدة لبنان وإصلاحه، ومنها احتشاد القوى النقابية في تلك الحقبة بالذات والقوى النسائية والشبابية والمهنية للمطالبة بكسر الحلقة المفرغة العبثية المدمرة والتي اغرق لبنان فيها مدة خمسة عشر عاماً.

    لا بد كذلك من التوقف عند الإرادة الصلبة للبنانيين بعامة في إعادة الأعمار وإطلاق المؤسسات الاقتصادية حتى في مناخ غير مستقر وغير واضح المعالم. أرجو ألا يبتسم القارئ أمام عبارة شعب لبنان العنيد…

    ولكن أين دولتنا من كل هذه الأحلام؟ إنها غارقة في الفساد والمحاصصة الفئوية، الطائفية والمذهبية والسياسية والمناطقية.

    أما وقد غابت الوجوه المشرقة تباعاً على فشل، وسئم الشعب من محاولة إصلاح دولته، فانطوى على نفسه يثابر مدنياً وفي المجال الخاص، ويصرف النظر عن المجال العام يأساً، فإننا نعيد هاهنا تأكيد التفاؤل بإمكان إصلاح المجال العام – الإداري والسياسي على السواء – وفعل الإيمان هذا يجد نافذة مفتوحة له اليوم من خلال التعيينات في المناصب القيادية في الإدارة والمؤسسات العامة على اختلافها.

    فالكل يعرف أن لبنان فيه كفاءات عالية جداً وان بنيه يتألقون أينما ذهبوا وان بعض مؤسساته التربوية المدرسية والجامعية تضاهي المؤسسات العالية الكبرى في المستوى الرفيع لإعدادها في بعض المجالات. فلماذا لا نختار من بين الأكثر كفاءة قيادات إدارية شابة نجدد من خلالها وننعش إدارتنا ومؤسساتنا العامة؟ كذلك الكل يعرف أن في إداراتنا ومؤسساتنا العامة – في جميع الحقول – كوادر ممتازة من ناحية الإعداد وهي تتمتع بخبرة عالية في مجالات عملها وقد بقي معظمها مهمشاً خلال العقود الظلامية التي تلاحقت على لبنان منذ 1975 وحتى 2005.

    لماذا لا ننصف هؤلاء ونضعهم في المواقع القيادية التي هي بأمس الحاجة إلى الكفاءة والخبرة والرؤية؟ أما في موضوع الأخلاق والشفافية فاني من المقتنعين بأن المواطن يولد طيباً وغياب المحاسبة والمساءلة هو الذي يفسده.

    لماذا لا نقوم بكل ذلك؟ لان كل منا يخاف من الآخر على المستوى الشعبي ولأن ساستنا محاطون بمقربين وبمحاسيب ويخال لهم أن نفوذهم السياسي لا يستمر إلا من خلال تنفيع هؤلاء.

    فغالباً ما نهاجم الطائفية لرفع العتب عن مساوئ التعيينات والمناقلات السيئة التي نجريها بل نقول: إنها أهون الشّرين فما هو الشر الأكبر؟ في الواقع انه الخوف من التهميش ومن هيمنة الآخر. ولكن هذا السلوك الذي اعتمدناه منذ بدايات دولة الاستقلال أمعن في إغراق دولتنا بمؤسساتها وإداراتها في الفساد وفي ضعف الفاعلية ففقد الشعب ثقته بدولته ونحا في اتجاه دويلاته مرة واثنتين…

    يجب أن نعترف أن التوزيع الطائفي والمذهبي للمناصب يفتح باب المحسوبية. والمحسوبية هي الشر الأعظم لأنها تحديداً – نعم هي – التي تكسر قاعدة الكفاءة في كل طائفة ومذهب ومنطقة وتأتي بالمحاسيب. المحسوبية هي الداء لكنها تدخل إلينا من باب التوزيع الطائفي. فما العمل؟

    أولاً: هناك حاجة لانتفاضة عامة ضد المحسوبية ودعوة نوجهها إلى النخب السياسية لاحترام مشاعر اللبنانيين على الأقل بعدم الحديث العلني عن المحاصصة. فاذا كان الساسة يعتمدون المحاصصة فليكن ذلك سراً لأنه عيب.

    ثانياً: هناك حاجة ماسة لاعتماد المداورة في المناصب لكي لا تشعر أية طائفة أو أي مذهب او أي شخص بأنه يمتلك منصباً يديره كما يشاء.

    ثالثاً: هناك حاجة بديهية لتفعيل الأجهزة المتخصصة بإدارة عملية التعيين والترفيع والمناقلات والرقابة، اعني مجلس الخدمة المدنية وهيئة التفتيش المركزي وديوان المحاسبة. فقد أسس الرئيس فؤاد شهاب الإدارة العامة اللبنانية على قاعدة عقلانية حلم في حينه أن يعزز من خلالها انتماء اللبنانيين إلى دولتهم وان يجذر لديهم روح المواطنية. فهل نجدد هذا الحلم؟

    رابعاً: على مجلس الوزراء أن يبدأ هذه العملية الضخمة “بالعناية” بأجهزة الرقابة نفسها لتنقية أوضاعها فتقوم من جهتها بإعداد لوائح بمرشحين للترفيع وللمناقلات من بين الموظفين الموجودين في الإدارات والمؤسسات العامة بعد تقويم أدائهم الوظيفي من زاوية الفاعلية والشفافية.

    خامساً: كذلك يجب الإعلان رسمياً عن الشواغر وفتح باب الترشيح أمام كل المواطنين على أن تقوم وزارة التنمية الإدارية وهي في يد شخص خلوق ومُنصف – بدراسة الملفات وترتيبها وتصنيفها بالتعاون مع مجلس الخدمة المدنية على أن يتم رفعها إلى مجلس الوزراء.

    لاحظنا انه في مسار تشكيل الحكومة، بدأ البحث في الحصص قبل البحث في السياسات وفي الخيارات العامة التي سيتضمنها البيان الوزاري. وهذا الأمر عيب. فلنقل ذلك صراحة. واليوم نضع المحاصصة عنواناً للتعيينات. إذا ما جرى الأمر على هذا النحو فإنها كبوة أخرى في مسار علّق الشعب عليه الآمال.

    هناك من يدعو إلى إنصاف طوائف ومن يدعو إلى إعطاء طائفته الحصة التي تستأهلها، وآخر يطالب بالتعويض عن حصة مفقودة ماضياً، وهناك من يجترح صيغاً لحماية مكاسبه التي اغتنمها عنوة في العقود الظلامية. وهناك من يتحدث عن هاجس التوازن… كلها حجج بينما ما يُحضّر هو تقاسم للجبنة – رحم الله مرة أخرى الرئيس فؤاد شهاب.

    هل تعلمون يا سادة، كم سيكلف قراركم لبنان إذا جاء تقاسماً وتوزيعاً على المحاسيب؟

    هل تعلمون أن هذا الأمر سيورط البلاد لعشرين أو ثلاثين عاماً إلى الأمام؟

    هل تعلمون أن ذلك سيفقد المواطنين ثقتهم – ما تبقى منها – بدولتهم؟

    هل تعلمون أن ذلك سيؤثر سلباً على صورتكم انتم بين قيادات العالم في القرن الحادي والعشرين؟

    هل تعلمون أن المحاصصة التي تأتي بالمحاسيب تحمي الفساد بل تشجعه وتغرق البلاد في دوامة كانت تتخبط فيها منذ زمن؟ فهل نبحث عن التوازن والإنصاف في الفساد؟

    فلقد تراجعت مرتبة لبنان عالمياً من 102/180 في العام 2008 إلى المرتبة 130/180 في العام 2009 ومن المرتبة 11/20 في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى المرتبة 14/20 في مجال الشفافية ومكافحة الفساد.

    فهل هذا جيد بحق لبنان واللبنانيين في العالم؟ هل هذا يشجع الاستثمارات المستدامة في لبنان؟ هل هذا يحفّز أجيالنا الشابة على البقاء في البلد وعلى الثقة بالدولة والانخراط في مؤسساتها؟

    لا يا سادة، أنظار الناس كل الناس شاخصة اليوم في انتظار انجاز التعيينات في المناصب الأمنية والإدارية والديبلوماسية والقضائية. عسى ألا تكون كبوات متلاحقة فتجهز على ما تبقى لدى اللبنانيين من حلم ومن ثقة بلبنان.

    لكننا نعود ونكرر تفاؤلنا بالنظر إلى الوجه المشرق في رسالة لبنان في هذا الشرق حيث ما زلنا ننتظر طلوع شمس دولة الحق، دولة تجمع مسيحيين ومسلمين حول بناء الخير العام. فتكون قدوة للعالم اجمع.

    لن نتوقف عن الحلم أبداً.

    فاديا كيوان
    جريدة النهار
    12.01.2010

    Leave a Reply