• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عن الديموقراطية التوافقية في سويسرا الشرق والقيادات الخائبة

    استهل السفير السويسري حديثه في محاضرة أقامها في بيروت، بالقيام بنزع أوهام عدة، أولها الفكرة التي نملكها عن سويسرا، البلد الذي كل شيء فيه كامل، ويعمل «كالساعة السويسرية»، بأنه لم يكن كذلك دائما.. مذكّراً بأن بلاده، التي تعد أنموذجاً للسلم والحياد حالياً، عانت طويلا من العنف، وكانت لفترة طويلة قوة عسكرية أساسية في أوروبا بعيدة عن المسالمة، بل مهابة ومعتبرة كشعب وحشي، يميل إلى الهجوم. فهذه البقعة الصغيرة، كانت مرغوبة، لأنها المعبر لاجتياز جبال الألب. ونظرا لأنهم شعب جبلي متصلب، ولا يحبون أن يُسيطر عليهم، تحولوا إلى انتهاج النظام العسكري الذي يحتم على كل ذكر شراء السلاح، والاعتناء به، والخضوع لتدريبات دورية، والتمرن على القتال ليتحولوا إلى أهم قوة عسكرية وأقواها، فصاروا نوعا من اسبرطة العصر الحديث. ما سمح لمؤرخ ألماني في القرن الخامس عشر أن يكتب: «إنهم يربون أولادهم ليصبحوا جنودا منذ نعومة أظفارهم. واذا نظرتم إلى الصبية السويسريين في سن الرابعة، أو الخامسة ترونهم يتجولون برماح جاهدين أن يبدوا شرسين. وهم يُدرّبون من أجل أن يصبحوا قتلة». لكن واقع كونهم بلدا صغيرا، جعلهم يوقنون، بعد هزيمتهم على يد فرنسوا الاول، بسبب استعماله سلاح المدفعية الجديد، إلى عدم قدرتهم على احتلال قارة فانتهجوا الحياد. وصرفوا قوتهم العسكرية بتحولهم إلى مرتزقة حول العالم في الجيش الانجليزي والإيطالي والإسباني، وكذلك العثماني. شكل الجنود السويسريون المنتج الأساسي للتصدير، فيتم بذلك التخلص من الفائض السكاني وتحصيل النقود في الوقت نفسه.

    حصلت آخر الحروب الأهلية في سويسرا في منتصف القرن التاسع عشر، عندما انقسمت اوروبا بين ليبراليين ومحافظين، وكذلك فعلت سويسرا. قرر الليبراليون حينها أن يفرضوا طرائقهم بالقوة، وتحركوا تحت قيادة الجنرال هنري ديفور، أحد أهم الشخصيات في تاريخ سويسرا. وما جاء على لسانه (وهو أحد مؤسسي الصليب الاحمر) عشية الحرب للجنود الليبراليين في أمر اليوم، كان جديدا تمام الجدة في التاريخ العسكري: «أيها الجنود، علينا أن نخرج من هذه المعركة منتصرين، لكن ليس منتصرين فقط، إنما أيضا من دون أن تقع عليكم أي ملامة. أضع بين أيديكم حماية الأطفال، النساء، العجزة وخدام الدين، من يصب أو يؤذي أحداً لا حماية له، يكون غير مستحق لعَلَمِه، ولا يكون جنديا سويسريا، عليكم أن تعاملوا أعداءكم، عندما يلقون سلاحهم على أنهم أصدقاء لكم، وعليكم ألا تنسوا ذلك عندما تنتهي الحرب، لأنهم سيكونون مواطنين إسوة بكم. إن عاملتموهم جيدا، فسويسرا لها مستقبل، وإن دفعتم بهم إلى الحائط، فسويسرا ستقسم».

    كانت تلك الحرب الأهلية مفصلية، لأن سويسرا، كان يمكن أن تقسم بسببها. وقيل عنها (العام 1847 من قبل مؤرخ أميركي) إنها حرب متمدنة، لأنها انتهت بمئتي قتيل. المنتصرون كانوا سياسيين حاذقين، لأنهم عند انتهائها قالوا: «اسمعوا، لقد ربحنا، نحن في موقع قوة، انه وقت التنازلات». وبدل أن يفرضوا النظام السياسي الذي كانوا يقاتلون من أجله قبل الحرب، فرضوا تسوية بين ما كانوا يقاتلون من أجله، وما كان الطرف الآخر يقاتل من أجله. ومنذ ذلك الوقت، ولدت سويسرا الحديثة، والتي هي كناية عن نظام سياسي ونظام عسكري، حيث لا يمكنك أن تدعي أنك تملك الحقيقة كاملة. وتدرك أن كل شخص، كل مجتمع، لديه جزء من الحق، وعلى الجميع الاتفاق فيما بينهم، مع كل ما يقتضيه ذلك من تنازلات. هذه هي الطريقة الوحيدة للتعايش بين المجتمعات الصغيرة، المتعددة.

    منذ ذلك الوقت، بدأت عملية ضم لميليشيات المقاطعات والميليشيات المحلية، إلى الجيش الوطني. لكن تلك العملية استغرقت وقتا طويلا. التدريب والتجهيز مركزيان، ومع ذلك، لايزال يوجد مجموعات عسكرية إقليمية حتى الآن. هناك كتائب غير خاضعة للجيش المركزي، بل للولايات.

    الدرس الاول: «إذا أردتم السلم تحضروا للحرب». سويسرا قائمة على أنها بلد قوي، يملك مقومات فرض احترامه. وفي لبنان ذلك يعني الاستفادة من سلاح حزب الله، وإخضاعه لسلطة الدولة اللبنانية.

    الدرس الثاني: هو أن الدفاع ليس شأن بعض الجنود المحترفين. الدفاع شأن الجميع. وعلى الجميع أن يخاطر من أجله. على الجميع أن يتحمل مسؤولية الدفاع عن البلد. ودرس آخر يعطينا إياه تاريخ سويسرا العسكري هو: إذا كان لديك بلد فيه جنسيات ومجتمعات وطوائف ولغات متعددة، يمكن للخدمة العسكرية العامة أن تكون أداة قوية لجمع الشمل. فعيش التجارب الحياتية معا أمر مهم.

    ما مكن سويسرا من البقاء، على الرغم من كل الخلافات، إدراكهم أن هناك شيئا مشتركا فيما بينهم، مجموعة قيم يقاتلون من أجلها، حتى ولو لم يحبوا بعضهم بعضا. فالسويسريون مختلفون ولديهم قواسم مشتركة قليلة، بخاصة على المستوى الثقافي، ولا يحبون بعضهم بعضا، لكن لديهم قناعة انهم سيخسرون اكثر بكثير مما سوف يربحونه من الانقسام. وهذا منطق كاف للنضال من أجل إبقاء سويسرا. وهذا هو سبب شعار سويسرا العسكري:

    «الفرد من أجل الجميع، والجميع من أجل الفرد». وهذا ما يجب ان يكون كافياً لكي يعمل اللبنانيون سوية من أجله.

    الديمقراطية التوافقية، كما تعلمنا تجربة سويسرا، لا تعني إذن سوى التوافق على مسألة الدفاع بشكل خاص، لأنه شأن الجميع، وليس شأن جماعة، مهما علا شأنها. كما التوافق على السياسة الخارجية والاقتصادية. وهذه جميعها موضع خلاف اللبنانيين تحديداً. فيتخذ التوافق معنى التنازل من قبل طرف واحد. ففي لبنان خرج من ينسب القوة لنفسه مكفراً الآخرين، مخوناً لهم، وأعلن الحرب على من اعتبرهم الخاسرين، ولم يقدم أي تنازل، ووصل به الأمر إلى استخدام سلاحه تجاههم، مرفقاً انتصاره الخارجي بآخر داخلي!

    أما من حصل على الشرعية الشعبية، فلقد تخاذل وتخلى عن أكثريته، ورضخ لمنطق القوة. إن ما يحصل في لبنان هو نقيض المثال السويسري، حيث يعني التوافق اللبناني أن يبقى السلاح والحرب والسلم خارج هذا التوافق! وحيث يعتبر أحد نواب حزب الله إنجازاً له أن «تحفظ المقاومة للبعض حق التكلم»! وهذا طبيعي ما دام أنموذجه إيران الحالية.

    التسوية التوافقية الدائمة تعني تقديم التنازلات المتبادلة، فالحل الدائم لا يكون بفرض التنازلات على طرف واحد، ولا بفرض الطاعة، والانصياع في حفلة تبويس للحى في مصالحات عشائرية تلبي دفتر شروط يقصد بها الإهانة. لكنها القيادات اللبنانية الخائبة الباحثة عن مصالح فئوية تحت شعارات كبرى.

    منى فياض
    جريدة أوان
    09.01.2010

    Leave a Reply