• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الانتقال من استراتيجية الأمر الواقع المفروض إلى استراتيجية توافقية

    بين حدي السجال العقيم المتوتر ومحاولة طمس الاختلافات وتجاهلها، ثمة حاجة ماسة لا بل ضرورة لنقاش موضوعي وصريح وهادئ لقضية الاستراتيجية الدفاعية وما يتفرع عنها كمسألة المقاومة وسلاح حزب الله. فتلك تبقى القضية الخلافية الابرز التي ينقسم اللبنانيون حولها والتي لم يحرز الحوار الوطني الرسمي في شأنها اي تقدم سوى الاتفاق على استمرار هذا الحوار، في حين ان التطورات الاقليمية المتسارعة قد تدهم هذا الحوار قبل أن يثمر نتائج ملموسة تحصن لبنان وتكفل وحدته ازاء هذه التطورات.

    من منطلق الحرص على المقاربة الموضوعية لهذه القضية الخلافية، انما ليس بالضرورة من موقع الحياد، لا بد بداية من ثلاث ملاحظات تمهيدية:

    ان الاستراتيجية الدفاعية لأي بلد او دولة لا تعنى بالبحث عن كيفية التصدي لخطر واحد او لتهديد واحد بعينه، بل لمجمل الاخطار الخارجية المحدقة بالبلد وبمصالحه الوطنية وبمواطنيه. مثلا، ان تحول لبنان الى ساحة مفتوحة للصراع الاقليمي او ساحة مفتوحة للارهاب او لتجدد الاقتتال الداخلي كلها اخطار توازي خطر العدوانية الاسرائيلية، الذي لا يختلف اللبنانيون في تشخيص اهميته المحورية.

    ان الاستراتيجية الدفاعية لأي بلد يجب ان تكون منسجمة مع دستوره ومواثيقه وقوانينه والتزاماته الدولية. وابرز هذه المرجعيات في الحالة اللبنانية: الدستور، اتفاق الطائف، ميثاق الامم المتحدة وقراراتها، اتفاقية الهدنة لعام 1949، وقانون الدفاع اللبناني الذي يوكل للجيش والقوات المسلحة اللبنانية مهمة الدفاع عن لبنان.

    ان الاستراتيجية الدفاعية لأي بلد هي جزء من استراتيجيته العامة المتعلقة بسياسته الخارجية او ادارة علاقاته مع الاقليم الذي ينتمي اليه او مع المجتمع الدولي عموما، وهي ليست حالة مستقلة عن هذه الاستراتيجية العامة. مثلا، اذا كانت الاستراتيجية العامة للبلد المعني تعطي الاولوية للخيارات السلمية والدبلوماسية في التعامل مع قضية ما، لا يمكن في هذه الحالة لاستراتيجيته الدفاعية ان تتمحور حول المقاربات العسكرية والحربية فحسب.

    وبالعودة الى صلب الموضوع، لا بد من توضيح طبيعة التمرين او المهمة المطروحة على طاولة الحوار، اذ ثمة ايحاء مضمر ان البحث جار عن استراتيجية دفاعية للبنان وكأنه لا يوجد حاليا مثل هذه الاستراتيجية. وهذا توصيف غير دقيق. صحيح انه لا يوجد نص رسمي له قوة القانون de jure يحمل مثل هذا العنوان، لكن هناك في ارض الواقع استراتيجية فعلية de facto لادارة الملف الاسرائيلي (او المعطى الاسرائيلي) بكل ابعاده وتشعباته. ولقد تكرست القواعد العامة لهذه الاستراتيجية في مطلع التسعينيات، اي في حقبة الوصاية السورية على لبنان، وبقيت مفاعيلها مستمرة ونافذة بعد خروج القوات السورية عام 2005. هذه الاستراتيجية تقوم على التسليم الفعلي والواقعي ان ادارة الصراع مع اسرائيل في الساحة اللبنانية تتولاها قوة سياسية حزبية وحيدة تملك جناحا عسكريا يعمل خارج امرة المؤسسات الدستورية للدولة اللبنانية، انما برضاها لا بل عبر توفيرها الغطاء السياسي والقانوني والدبلوماسي وحتى اللوجستي لهذا النشاط.

    ولهذه الاستراتيجية عنوان سياسي وان لم يكن رسميا او دستوريا يطلق عليه اصحابها اسم «استراتيجية المقاومة». وعندما تتحدث وثيقة حزب الله الصادرة حديثا عن «المزاوجة بين المقاومة والجيش في الدفاع عن لبنان» من دون ان تحدد من هي مرجعية القرار السياسي لعمل «المقاومة»، فهي تورد توصيفا مختصرا وبليغا لهذه الاستراتيجية القائمة اليوم فعليا وعلى ارض الواقع.

    ان هذه الاستراتيجية التي حققت انجازات مهمة حتى عام 2000، تعاني منذ انسحاب اسرائيل من معظم الاراضي اللبنانية التي كانت تحتلها، من الاشكاليات التالية:

    – تقلص الاجماع اللبناني من حولها، او بتعبير ادق تقلص رقعة عدم الممانعة حيالها؛

    – تقلص مشروعيتها الدولية، بداية مع تطبيق القرار 425 ثم بعد صدور سلسلة من القرارات الدولية المقيدة لها آخرها القرار 1701؛

    – زيادة انكشاف لبنان على عدوان اسرائيلي مدمر جديد؛

    – زيادة انكشاف لبنان على صراعات المنطقة، وذلك من خلال العلاقة العضوية التي يقيمها حزب الله مع ايران؛

    – مساهمتها في رفع منسوب التوتر المذهبي والاستقطاب الطائفي، خصوصا بعد احداث 7 ايار 2008؛

    – تعارض هذه الاستراتيجية عموما مع مشروع استكمال بناء الدولة، لانها تحرم الدولة من جزء أساسي من سيادتها واختصاصاتها الحصرية.

    ولا يكفي لتعويض هذه الانكشافات والنواقص، النجاح في فرض صياغات متكررة في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة تحمل قدرا من التبني الرسمي الضمني لهذه الاستراتيجية او لبعض عناصرها، ولا الجهود الحثيثة المتواصلة لطمس التباين حول هذا الموضوع او لسحبه من النقاش العام، ولا الاصرار شبه الديني على ان مزايا هذه الاستراتيجية اكثر من نقاط ضعفها.

    ان ابرز المزايا التي يوردها انصار «استراتيجية المقاومة» هي:

    – تمتع حزب الله بقدرات قتالية يفتقر اليها الجيش اللبناني؛

    – القدرة على اقامة توازن رعب صاروخي رادع لاسرائيل؛

    – المرونة في التكتيك والحركة والقدرة على الافلات من الرد والانتقام، الناجمة كلها عن استقلالية القيادة والامرة؛

    – استفادة حزب الله غير المحدودة من مصادر السلاح والتمويل الايرانيين، و(حتى اشعار آخر) من الظهير السوري وخطوط العبور والتسهيل السورية.

    بخلاف الاعتبارين الاولين، اي القدرات القتالية والصاروخية الرفيعة لحزب الله وخبرته الطويلة في التعامل مع العدو الاسرائيلي والتي يمكن الاستفادة منها في كنف الدولة اللبنانية، فان الاعتبارين الاخيرين، اي المرونة والقدرة على الافلات من الرد والاستفادة من الدعم الايراني، يحملان في طياتهما من الاثمان والمحاذير والمخاطر اكثر بكثير من المزايا، اذ صحيح انه هناك صراع عربي ـ اسرائيلي لكن هناك ايضا صراعا اقليميا على استحواذ الورقة الفلسطينية والورقة اللبنانية في هذا الصراع وادراجهما كل في استراتيجيته الخاصة التي تتضمن اهدافا وطموحات لا شأن للبنان بها.

    لقد آن الأوان للانتقال من استراتيجية دفاعية موروثة عن حقبة التسعينيات ومرحلة الاحتلال الاسرائيلي وباتت مصدرا للاخطار الخارجية والداخلية الى استراتيجية جديدة ملائمة لتحديات المرحلة. آن الاوان للانتقال من استراتيجية دفاعية مفروضة بحكم الامر الواقع بعدما فقدت احتضانها الشعبي الواسع وباتت عنوانا فئويا الى استراتيجية توافقية تتلاءم مع مستلزمات الشراكة الوطنية ونهوض الدولة ومؤسساتها وفي مقدمها مؤسسة الجيش ودورها المحوري الذي لا يمكن الاستمرار في اختزاله لا بحكم القانون ولا بحكم الامر الواقع.

    في اجواء التوافق والتهدئة التي تشكلت الحكومة الاخيرة في ظلها، يفترض بمؤتمر الحوار الوطـني الذي يــعود الى الالتــئام قريبا ان يشكل فرصة سانحة للبدء فعليا في تحقيق هذا الانتقال. ومن مؤشرات الجدية عدم تحميل مؤتمر الحوار اي موضوع آخر غير موضوع الاستراتيجية الدفاعية. ومن مؤشرات التقدم والفاعلية التوصل الى اعلان مبادئ يؤكد اقله مرجعية الدولة الشاملة في شؤون الدفاع والامن ونية الدولة اللبنانية الاستفادة القصوى من القدرات القتالية لحزب الله، حتى ولو كانت الصياغة التفصيلية لتحقيق هذه الامر وبقية عناصر الاستراتيجية البديلة قد تستغرق بعض الوقت وقد تنتظر بعض الظروف الملائمة. المهم هو اعطاء اشارة واضحة في هذا الاتجاه، والتحدي يكمن في القدرة على المحافظة على نقاط القوة في الاستراتيجية الحالية من دون نقاط الضعف والانكشاف. هل ان حزب الله بات جاهزا لانعطافة نوعية وتوافقية من هذا النوع، بعد كل الضمانات التي نالها في مسار تأليف الحكومة وقبله؟

    أنطوان حداد
    جريدة السفير
    09.01.2010

    Leave a Reply