• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    gözümüz yok

    بالكاد استغربنا إقفال مدرسة مهنية في قضاء زغرتا – الزاوية عند انطلاق هذه السنة الدراسية. لقد أوصدت أبوابها عنوة على مدى أسبوعين. ثم فتحت بعد حل على الطريقة العشائرية (أو هكذا خُيّل لنا) دون ان تتحرك النيابة العامة رغم التغطية الاعلامية الواسعة التي احتلتها هذه الحادثة على شاشات التلفزة. والمادة 309 من القانون الجزائي صريحة للغاية، فهي تعاقب بالاشغال الشاقة المؤبدة من ترأس جماعة بقصد اجتياح “أملاك الدولة”، في حين تشدد المادة 311 عقوبة من يقدم على اجتياح كهذا في حال كان يحمل “سلاحاً ظاهراً أومخبأً”.

    هل تقاعست الدولة؟ لا أبداً! بل تعاملت مع الإشكال بحكمة وروية. فالأمور ليست بهذه البساطة ونحن أبناء ثقافة سياسية مشبعة بالازدواجية: إزدواجية خطاب مقترنة بإزدواجية سلطة. فيتعين على الادارة المركزية في هذا القطاع العام أو ذاك، ان تراعي توازنات دقيقة لئلا تستفحل أزمات مستعصية، يترتب بالنتيجة على الدولة وأجهزتها الاسراع إلى معالجتها بعد ان تكون أشعلت فتيلها سياسة استفزازية رعناء.

    استهجن البعض (وهم من دعاة دولة القانون) عمليّة إقفال ذاك الصرح العلمي! ليتهم استغربوا إعادة فتحه ومتابعة الدروس فيه قبل ان يتوصل الفرقاء المحليّون الأعضاء الدائمون في الـ loya girga أي مجلس القبائل (هكذا يدعى في بلاد الافغان) إلى التوافق على ميثاق عدم التعرض للمؤسسات التربوية! وذلك إلى حين، ليس إلا!

    لا يجوز الاستخفاف بواقع الحال المتأصل طالما هناك لكل شبر أرض أو مقام في لبنان مرجعيتاه المعلنة والضمنية. فعلى سلطة الدولة الصورية أن تتعايش مع سلطة الواقع المتمثلة بالقيادات المحلية، طالما أن الأخيرة على استعداد للمقارعة لاعادة عقارب الساعة إلى الوراء!

    هكذا يحافظ على المكاسب. يكون مكسب الدولة بالحفاظ على السلم الأهلي وعدم الانجرار الى البطش، بينما تتمثل مكاسب الجماعات المتضررة بالحفاظ على بعض الامتيازات الموروثة أو المنتزعة أخيراً. والدولة اللبنانية ليست دولة الحسم في المطلق بل دولة الاستثناءات الجغرافية والتاريخية ودولة التأجيل والتنازل والتسويف كما انها دولة “كلْ واشكرْ” على حد تعبير العميد ريمون اده. لذا هناك مساحات أو أقله مربعات من العمران الحضري أو الريفي، تشكل “مناطق منزوعة القانون” zone de non-droit. فلو عاد أنصار الدولة القادرة إلى مذكرات يوسف الحكيم (بيروت ولبنان في عهد بني عثمان، “دار النهار للنشر”)، لأيقنوا ان سوسيولوجيا السلطة في بلاد العشائر والعائلات والملل لم تتعدل منذ مطلع القرن الماضي. فليتهم يعترفون بأنه من الحكمة أن تعالج الأمور بشيء من الليونة، أكان الموضوع يخص مصحاً عقلياً أو مدرسة لتعميم الأبجدية على الناشئة أو أصول الفقه على الأحداث!

    فللدولة عندنا دور في تحقيق الوفاق بين المتخاصمين ومهمة في ضبط نفوس اللاعبين واسترضاء الخواطر وتبويس اللحى. إذ أن تطبيق النظام بشكل صارم قد يعتبر تجاوزاً لمبدأ التوازنات checks & balances الذي يحكم كل مستوى من مستويات التعامل السياسي، لئلا يكون مفعول الدواء أسوأ من انتشار الوباء.

    أليس من سابقة؟

    لا بل من سوابق! عندما عين المرحوم عدنان نادر قائمقاماً على الشوف بعد حوادث 1958، لم يتسنَّ له القيام بمهماته على الفور. لم ينتقل إلى مركزه إلا بعد أن اعطى كمال بك إشارة أن “لا مانع” بقوله حرفياً في احد مجالسه “ما اشبو شي هل قائمقام”. وتصديقاً لذلك ليتنا نتساءل هل دخلت القوى الأمنية الرسمية مؤخراً إلى ضاحية بيروت الجنوبية لفرض النظام العام بحده الأدنى إلا بالتراضي مع قوات الأمر الواقع؟

    أيضاً وأيضاً، هل ثارت النفوس عند إقفال البرلمان اللبناني بحجة عدم احترام الميثاق والطعن بالعرف المتبع؟ هل يجوز تعطيل النظام البرلماني بذريعة ما وعلى يد من كلفوا مهمة السهر عليه. لماذا لم تتحرك النيابة العامة مع مراعاة أحكام المادة 40 من الدستور المعطوفة على المادة 309 من قانون العقوبات المذكورة آنفاً، وذلك خارج دورتي انعقاد المجلس، طالما تحقق الجميع من حالة تلبس بالجريمة أي الجرم المشهود؟

    ألم يذهل العالم يوم اعتصم الرئيس الحريري بعد ان كفر بالسياسة وبأهلها، فجاء مقال على الإنترنت عنوانه: ماذا؟ رئيس وزراء لبنان يعلن الاضراب؟

    What? The Prime Minister of Lebanon on strike

    وغيرها وغيرها! حلقات من تاريخ سياسي حافل بالهرطقات. في الأمس القريب شكل اعتراض وتحفظ خمسة وزراء عن البيان الوزاري خرقاً فاضحاً لمفهوم التضامن الوزاري المعمول به. انما الخروج على القاعدة لا يمنع الحياة السياسية من متابعة المسيرة ولو كانت متعرجة. فهاجسنا البقاء والاستمرار survival ولو على حساب القواعد الدستورية. فالتوفيق بين الدولة والقبيلة، بين الجمهورية والعشيرة أفضل من اللجوء إلى حملات تأديبية أو محاكمات، سرية كانت أم علنية، أو توقيفات همايونية تليها إخلاءات سبيل من الصعب فك طلاسمها!

    شعار gözümüz yok

    يذكر ان معاوية وهو على فراش الموت أوصى لابنه يزيد في جملة ما أوصى، ما يلي: اما أهل العراق فإن طلبوا منك عزل عامل (حاكم) في كل يوم، فاعزله! فإن “عزل عامل في كل يوم أهون عليك من سل مئة ألف سيف”. أهي شعرة معاوية في جبل لبنان أم في بلاد ما بين النهرين، في دولة بني امية أم في الجمهورية الثانية؟! ما الفرق؟ ذلك ان ركنين أساسيين من صميم مفهوم الدولة الحديثة لا يزالان مفقودين: مساواة المواطنين أمام القانون والمحاسبة للجميع دون استثناء. وهذان الشرطان يستعصيان على التطبيق تطبيقاً جذريّاً في لبنان الأخضر. نعم في جنة الله على الأرض، “هناك أناس بسمنة وآخرون بزيت” كما “هنالك جماعات بسمنة وجماعات بزيت”، مما يؤدي حتماً إلى طقسين تحت سقف واحد. ومن ذا الذي يستهجن انعدام التوازن هذا في ربوعنا. فهل يعقل ان نعامل أهل الخاصة مثل أبناء العامة؟ أوليس أضمن للسلم الأهلي الهش أن يغض النظر عن تصرفات أهل “القدر والقيمة” باسم المصلحة العليا للدولة! فإيانا وتجاهل شعرة معاوية؟

    لبنان لا يتحمل منطق الحسم أو التصدي. لأن الدولة فيه مسبوقة وهي التي تغض النظر وتلتمس الحلول لحفظ ماء الوجه. سياستها التقهقر والتراجع. تتعاطى مع الأمور بالتي هي أحسن فتحتال على الأزمات عملاً بأحكام مبدأ gözümüz yok. وهي عبارة تركية تعني “لا عيون لنا” أي اننا لا نرى التجاوزات التي ترتكب ولا الإهانات التي تلحق بنا. فإن لم يلحظ أي خرق للقانون ينال من هيبة الدولة، يكن كل شيء على ما يرام ولا داعي للعمل من “الحبة قبة”. بمعنى آخر: عين لا ترى، قلب لا يوجع.

    نحن كعليل يخشى مراجعة الطبيب لئلا يتعرف إلى دائه. فيغض النظر عن الموضوع علّه يتعافى دون طبيب ودون عقاقير. هذا موضوع إلغاء الطائفية السياسية والأمر ملحّ دستورياً، وما زلنا نؤجل النظر في الموضوع. ومع الوقت تظهر مسألة جديدة تلف السابقة بالنسيان. فيخف وهجها بعد أن تكون محط الأنظار ومدعاة للقلق. ماذا تعني اليوم تلك الخلافات بين العروبيين والانعزاليين الكيانيين في الاربعينات والخمسينات؟ أفكار الوحدة الشاملة “عاجل عاجل”، ومطالب اليسار والتأميم والاصلاح الزراعي كلها طويت في الأدراج. هل من مواطن طرابلسي يريد اليوم إلحاق طرابلس الشام بالدولة السورية؟

    ألا يكون الزمن كفيلاً بحل كل المسائل؟ كلام صحيح أريد به باطل.

    انظروا إلى القضية الفلسطينية لو تصدينا لها بجدية عندما طرحت لما اندلعت حرب بعد عقود من التعتيم. سلاح المقاومة يحال إلى طاولة الحوار، في حين ان البرلمان هو الموقع المؤهل لمناقشة الموضوع.

    سؤال أخير! كيف نتعامل مع الدين العام الذي يتعاظم حجمه؟

    أنعصب أعيننا؟!

    يوسف معوض
    جريدة النهار
    31.12.2009

    Leave a Reply