• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    التطرف البيئي يعود إلى الواجهة كمدخل شبه وحيد لإيجاد البدائل والحلول

    مع ان قمة كوبنهاغ كانت مجرد اجتماع الرقم 15 للدول الاطراف الموقعة على الاتفاقية الاطارية لتغير المناخ التي وضعت العام 1992، الا اننا يمكن ان نعتبره بمثابة محطة تاريخية مهمة، تبلورت عندها خيارات عالمية أكثر وضوحا.

    في هذه المحطة من المفاوضات ظهر بشكل واضح وفاضح مدى تراجع أدوار ومهام الامم المتحدة وبرامجها. كما ظهر مدى استئثار الدول الكبرى في العالم ومصيره، ولا سيما الدول الصناعية الكبرى. وخضوع رؤساء الدول لسلطة القوى الاقتصادية الكبرى، وكيف خرج مصير هذا الكوكب عن السيطرة.

    كما تبين ان اقتصاد السوق هو النظام الاقتصادي المسيطر على العالم. هذا النظام الذي صنعته قوى مالية واقتصادية كبرى ومجموعات مصالح متقاطعة ومتشابكة ومتنافسة عابرة للحدود… هو الذي يسيطر على خيارات الدول دون منازع، ولا شيء يمكن ان يغير في اتجاهاته، الا اذا حصلت كوارث كبرى، ان على المستويات المالية والاقتصادية، او على مستوى الكوارث الطبيعية او المناخية او البيئية.

    كما أظهرت نتائج مؤتمر كوبنهاغن مرة جديدة، ان العالم لا يزال محكوما بأنظمة صنعها وأغلقها بنفسه ولم يعد يستطيع الخروج منها.

    في الحقيقة كل القوى كانت في مواقعها في كوبنهاغن. ممثلو الدول يدافعون عن القوى الاقتصادية الكبرى في بلادهم، هذه القوى التي تدعم بشكل او بآخر الاقتصاد الوطني للدول. الشركات التي تبحث عن اسواق جديدة. الخبراء الذين يتبادلون المعلومات ويبحثون عن التزامات لدراسات جديدة. الاعلام الباحث عن الخبر والمعلومات والتقارير والتصاريح وسير المباحثات. والمنظمات غير الحكومية التي يفترض ان تكون ممثلة لمصالح الشعوب، والتي يفترض ان تشكل القطاع الثالث بين القطاعين الرسمي والخاص. الا ان هذه الاخيرة كانت منقسمة بين مجموعات «متطرفة»، بقيت في معظمها في الخارج، كونها لا تقتنع بأن من يجتمع في الداخل يمكن ان يجد الحلول لمشكلة تغير المناخ، ولاعتقادها بأن القضية مرتبطة بالانظمة الاقتصادية والسياسية التي يفترض تغييرها… وتلك التي دخلت وسجلت وشاركت في الاعمال لاعتقادها بأنها تستطيع ان تشكل قوة ضغط على المتفاوضين لاقرار اتفاق ملزم، ولاعتقادها بأن المسألة هي مجرد ارقام والتزامات بين المتفاوضين.

    وسرعان ما بينت نتائج المفاوضات، ان من كان في الخارج قد اصاب في تشخيصه، بينما من دخل شعر بالخيبة والإحباط.

    ولكن ماذا بعد؟ وماذا ينفع ان تنجح التوقعات اذا كانت النتيجة كارثية؟

    بعد كل ما حصل، وإذا صدقت توقعات آلاف الخبراء في العالم حول مصير الكوكب اذا استمرت حرارة الارض في الارتفاع وتغيرالمناخ أكثر فأكثر، ما الذي يمكن فعله ما بعد كوبنهاغن؟

    لم يعد تطرف المتطرفين مستغربا، لا بل اصبح واجبا.

    فضمن قاعدة لا يدرك الشبيه الا الشبيه، لا يمكن مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة التي ستنجم عن تغير المناخ، الا بحلول متطرفة. كما لا يمكن فرض حلول متطرفة على العالم الا مع مطالب متطرفة. ولا يمكن ان يحمل مطالب متطرفة الا قوى متطرفة.

    والحالة هذه، لا بد من برنامج جديد وموحد تحمله قوى جديدة تكون من طبيعة المشكلة.

    فإذا كانت هذه المشكلة في طبيعتها عالمية، لا بد للقوى المتصدية لها ان تكون عالمية ايضا. واذا بدا عجز الحكومات عبر ممثليهم والشركات ومصالحها عن ايجاد الحلول، وبعد ان بان عجز الامم المتحدة التي تبلغت قرارات بعض قادة العالم واخذت علما بإخفاق الدول الكبرى عن التوصل الى اتفاق … فلا بد للمجتمع المدني العالمي ان يشكل القوة الثالثة المنقذة. ولم يبق من خيار امام هذه القوة الا التطرف، بمعنى المطالبة بإصلاحات جذرية في الانظمة الاقتصادية المسيطرة وإعادة الاعتبار لدور الدول بوصفها مؤتمنة على ديمومة الموارد وسلامة الكوكب ومناخه وبيئته، ولدور الامم المتحدة بوصفها الاطار المنظم لكل ما يتخطى حدود الدول وسيطرتها ومصالحها.

    والتطرف هنا لا يعني رفض أية تسوية. فلا بد من تسوية في النهاية. انما التسوية المطلوبة هي بين التطرف الشعبي والتطرف السلطوي المالي والاقتصادي. اما التسوية التي كانت مطلوبة في المفاوضات، والتي حصلت، فهي تسوية مصالح متشابهة، يحافظ فيها كل طرف على مصالحه. وهي بالتالي تسوية غير منقذة للكوكب، كون هذه المصالح هي المتسببة في المشكلة.

    منذ 17 عاما والعالم يتابع وينتظر بعد مئات الجولات من المفاوضات للوصول الى ما يسمى «الرؤية المشتركة» بين ممثلي الدول المتفاوضة والتي تحتاجها قضية تغير المناخ. الا ان هذه الرؤية لم تتبلور يوما ولا سيما بين البلدان النامية التي تحمل البلدان المتقدمة «المسؤولية التاريخية» لتراكم الانبعاثات في الغلاف الجوي والتسبب بالظاهرة من جراء مشاريع التنمية والتصنيع والتقدم والعيش برفاهية، وبين البلدان المتقدمة التي اعترفت بالمشكلة ولا تريد ان تتراجع عن مكتسبات حضارتها، ولا تقترح للخروج من المشكلة سوى الدعوة الى «التخفيف» من الانبعاثات و«التكيف» مع المشكلة «التبرع» ببعض المال (تحت عنوان «التمويل») الذي لا يؤثر على المكتسبات والارباح والمسار التاريخي للاقتصاد… في حين يعلم الخبراء المحايدون ان القضية باتت تتطلب ما هو اكثر من ذلك بكثير، اي التغيير الجذري في بنية الانظمة وثورة في المفاهيم والقيم واتخاذ اجراءات متطرفة شبيهة بالظواهر المتطرفة لتغير المناخ المنتظرة.

    ففي ظل اقتصاد السوق المسيطر، لا يمكن الحديث عن «نقل التكنولوجيا» التي تعتبر ركنا من اركان المطالب والمفاوضات. فمسألة نقل التكنولوجيا، كما شقيقاتها من محاور المفاوضات المناخية كالتخفيف والتكيف والتمويل، كذبة كبيرة، وقد تحولت الى «كذبة تاريخية» لكثرة ما تم التداول بها والمراهنة عليها لانقاذ الكوكب. فكيف يمكن المراهنة على «تكنولوجيا بيئية» وتعميمها على سكان الكوكب في ظل اقتصاد السوق القائم على المنافسة، وضمن قواعد منظمة التجارة العالمية وقوانين حماية الملكية الفكرية؟

    بينت الجولة الاخيرة من المفاوضات في كوبنهاغن، استحالة المطالبة بفصل التكنولوجيا البيئية عن العلم والتكنولوجيا عامة، التي باتت معظم اسرارها عند القطاع الخاص الذي يبتغي الربح، وقد وظف بعضا من أرباحه في الابحاث لتطويرها ولفتح اسواق جديدة، ولا يمكنه ان يقدمها مجانا الآن من اجل «عيون الكوكب» تحت عنوان مبهم «الانقاذ». لا بل يذهب البعض الى القول باستحالة فصل التكنولوجيا البيئية عن التكنولوجيا عامة، كون منجزات العلم والتكنولوجيا باتت مرتبطة مع بعضها البعض وتستفيد من بعضها البعض. فصناعة المراوح الهوائية لتوليد الطاقة وتكنولوجيتها مرتبطة بنظم التحكم والتوازن المستخدمة ايضا في صناعة الطائرات والكمبيوترات. فكشف اسرار التكنولوجيا التي تعتبر بيئية وبسيطة، يمكن ان تكشف اسرار تكنولوجيات اكثر تعقيدا يستحيل ان يتخلى عنها «مالكها»… وهكذا يستحيل ايضا الاستمرار في مطلب «نقل التكولوجيا» من قبل الدول النامية، والمطالبة بـ«الفصل»، هذا المطلب الذي بدا في البداية تسوويا في طبيعته!

    امام هذه المعطيات، لا بد من اعادة جمع الصفوف، واعادة توحيد القوى الممثلة للشعوب في العالم، ولكن تحت شعارات اكثر جذرية لناحية المطالبة بتغيير الانظمة (الفكرية والمادية) المسيطرة وعدم الاكتفاء بمطالبة الدول بالالتزام بأرقام محددة للتخفيف وضمن تواريخ محددة… بعد ان ثبت ان المتطرفين كانوا على حق منذ البداية. لا بد من اعادة تسييس البرامج والمطالب، نحو «بروتوكول للشعوب» اكثر تقدما من «بروتوكول كيوتو» الذي مات ودفن في كوبنهاغن، بعدما شارك من معه ومن ضده بجنازته.

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    29.12.2009

    Leave a Reply