• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الطريق إلى جمهورية الصمت

    لا ينقص لبنان ليتشبّه بدول الرأي الواحد سوى إقرار هدنة سياسية إعلامية. عندها يكتمل المشهد: حكومة تضم ربع مجلس النواب تقريباً، وتتمثل فيها كل الكتل النيابية بمنطق 8 و14 آذار، يظللها ترهيب بارتدادات لا ديموقراطية لأي رأي يناقض رؤية أهل السلاح، وحملات غسل دماغ بمفردات تحرّف الواقع وتربط مصير البلد باستراتيجيات إقليمية تعادي عروبة المحيط ومصالحه، وأخيراً تتويج كل ذلك بكم الأفواه تحت عنوان الهدنة لسنة.

    لكن الدعوة في ذاتها تشكيك في جدوى الوفاق الراهن من جهة، وإشارة إلى رفض قبول الرأي المناقض من جهة أخرى: ما يريد اللبنانيون فهمه من الوفاق على حكومة الاتحاد الوطني هو أن الجميع سلّم بأن سقف أي خلاف في الرؤية أو صراع في السياسة هو تسليم الجميع بالقانون من ناحية، واعتمادهم الحوار للوصول إلى رأي مشترك من ناحية أخرى. والأمران يعززان حرية الرأي التي يُدمنها اللبنانيون، سواء أصابوا أو أخطأوا في ما يعبّرون عنه.

    أخطر ما في الدعوة إلى هدنة السنة، أنها ببساطة تقترح منع الاطلاع والكلام، في حين أن ما يدفع إلى هذا الكلام لن يتم التراجع عنه، وهو ليس حل مشكلة الكهرباء، أو المياه، ولا الاصلاح الإداري، ولا حتى أزمة السير التي تمسّ يومياً كل لبناني. هو بالطبع قضية سلاح “حزب الله” التي لم تلقَ إجماعاً لبنانياً، برغم تكرار زعم ذلك. فما يلقى إجماعاً هو مقاومة العدو الإسرائيلي وليس فئوية السلاح نفسه. والحال، أن الحزب لا يريد التراجع عن منطقه، ولا تريد الأكثرية التسليم بهذا المنطق. وهذه تصرّ على نقاش أمره في إطار الاستراتيجية الدفاعية، على طاولة الحوار، فيما هو يحاول التملّص بالإيحاء أن في ذلك خضوعاً لاسرائيل وتفوقها.

    وكيف تستوي الهدنة ومصلحة البلاد، إذا كان الداعي لها لم يتحمل لجوء حزب الكتائب إلى الديموقراطية للطعن بالبند السادس من البيان الوزاري، بمراجعة القضاء، إذ رد بالإتهام بالاستفزاز، ولوّح بمصير مسيحيي العراق، الذين “لم يُقدم لهم 150 ألف جندي أميركي الحماية” (؟!).

    “في السابق كانوا يهاجمون سوريا ويهاجمون المقاومة واليوم لا يستطيعون” يقولها الأمين العام لـ”حزب الله” قبل أن يستطرد: “الحمد لله دخلنا في مرحلة جديدة من العلاقات. شيء صعب أن يهاجموا المعارضة ككل. لأن وزراء المعارضة والموالاة موجودون في حكومة واحدة. إذاً، بقي لهم المقاومة وسلاح المقاومة”.

    بعد حكومة الاتحاد الوطني لـ”حماية المقاومة” تأتي “الهدنة الوطنية” إذاً من أجل الهدف نفسه. وكما اتهم مناقشو تركيبة الحكومة (مجرد نقاش) بالخيانة، سيتهم رافضو منطق الهدنة بها.

    لعل الهدنة المقترحة كانت مفيدة لأهلها لو أنها بدأت يوم السبت. إذ كان انفجار مرأب “حماس” في الضاحية مرّ في الاعلام بوصفه إنفجار قارورة غاز، ولكان عدم السماح للقوى الأمنية بالاقتراب، والحؤول دون وصول المحقق العسكري إلى مسرح الجريمة، خبراً لم نكن لنكتشفه إلا على صفحات الانترنت على طريقة الأسرار والفضائح أو عبر وسائل إعلام دولية. عندها كان من سيعرف سيتهم بالخيانة والعمالة.

    عند الهدنة، تقف الوقائع العامة عند ما عُرِفَ منها لحظة الاتفاق عليها. هذا ما سيوهَم به الرأي العام. أما ما سيجري تحت مظلتها فسيكون ممنوعاً نقاشه، وان يفعل أحد ذلك، يكون مشبوهاً وعميلاً وخائناً.

    لو تم “تجميد” النقاش الداخلي بقوة الهدنة المقترحة، يكون المشهد السياسي كالآتي: وقف “إطلاق” كل كلام على سلاح “حزب الله”، وطي طاولة الحوار دونه. يصير تناوله خيانة إن خرج عن أدبيات أهله: يبقى السلاح ما دامت إسرائيل موجودة، ولا تعود هويته أمراً للنقاش، ولا دوره. له الدفاع عن الوطن وللجيش أمن المواطن، كما قالت وثيقة “حزب الله”.

    الطريق إلى جمهورية الصمت تبدأ بهدنة.

    راشد فايد
    جريدة النهار
    29.12.2009

    Leave a Reply