• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    محطات 2009
    انتصار انتخابي لـ14 آذار مُني بـ”انتكاسة جنبلاطية” و”ديموقراطية توافقية” فرضت حكومة ائتلافية

    لأن الامور بخواتيمها لا بمقدماتها، ولأن الكتاب يُقرأ بمضمونه وليس بعنوان الغلاف، تترك سنة 2009 لبنان واللبنانيين عند مشارف حقبة هجينة تستعيد من جهة بعضا من فجر عصر الطائف، ولكنها في بعضها الآخر المستحدث على نقيضه تماما. هذا المزيج الهجين، هو ما كانت عليه السنة الآفلة. صراع بين نظامين دستوري وميداني، يستكمل في جانب استماتة نظام في معركة البقاء، ويشق في جانب آخر طريق نظام متوثب لقضم مزيد من المكاسب. كانت باختصار 365 يوما اضافيا من أزمة الحكم في لبنان بلا زيادة ولا نقصان.

    ربما يتعين على اللبنانيين بمعايير الخرافات السائدة، دقّ الخشب لدى مقارنة سنة 2009 بما سبقها، لكي تنسحب “نعمة” خلوها من أحداث مفجعة على سنة 2010. فهذه السنة سبحت من أولها حتى الثلث الاخير منها على المستويين السياسي والامني الداخليين على الاقل، بهدأة تسوية الدوحة التي بدت أصلب بكثير مما توقع لها كثيرون عند ابرامها في ايار 2008. كان يقتضي واقعيا وسياسيا وضع نهاية لمفاعيل هذه التسوية بعد الانتخابات النيابية في 7 حزيران 2009، ومع ذلك تمددت “معادلة الدوحة” ولو سقط الاتفاق بالمفهوم الدستوري على الاقل. فاذا بالمعادلة أقوى مئة مرة من صناديق الاقتراع لأن هذه الاخيرة لا تبدل واقعا ميدانيا قسريا ولا تقي من مفاجآت ولم تعد تكفي لحراسة الدستور.

    ثلاثة أحداث رئيسية فقط تكاد تختصر 2009 اللبنانية ومعها العنوان العريض لأزمة النظام تمثلت في الانتخابات النيابية وتشكيل الحكومة “الأولى” لرئيس الوزراء سعد الحريري وزيارته “رئيسا لحكومة كل لبنان” وزعيما للأكثرية في آن واحد لدمشق. ولا مغالاة في ربط الاحداث الثلاثة بخط بياني واحد بدت معه أزمة النظام ناطقة فصيحة وثقيلة في كل مفصل من مفاصل هذه الاحداث ومشتقاتها.

    بدا لبنان متعبا ومنهكا مع طلائع السنة. فالسنة 2008 كادت تودي به الى تهلكة الفتنة. أحداث 7 ايار وما قبلها وبعدها، وتسوية الدوحة وانتخاب رئيس الجمهورية بعد الفراغ الدستوري، والزيارة الاولى للعماد ميشال عون لدمشق، وكثير من فتن صغيرة متجولة هنا وهناك… كل هذا أسلس القياد لسنة جديدة ساد في مقتبلها وحتى منتصفها تعب المتعبين. حتى الاستحقاق الانتخابي بدا في الشهور التحضيرية من النصف الاول من السنة استحقاقا ثقيلا لفرط الخشية من استحضاره المفاعيل السلبية الموروثة في الشوارع المحتقنة بخلفية مذهبية شديدة الاستنفار وسريعة الاشتعال لدى المسلمين وخلفية اصطفاف سياسي شديد الخطورة وعالي النبرة لدى المسيحيين. ساهم ذلك واقعا في التسليم لمعادلة “الاستقرار في مقابل الثلث المعطل”.

    كان النظام الدستوري قد تلقى ضربته القاسية الاولى في الدوحة، وجاءت التجربة أشبه ما تكون بزواج الاكراه. لكن القدرة على فسخ الزواج كانت لتشعل الشارع، فكرست الشهور الستة الاولى من 2009 عرفا قضم الى حدود قصوى كل الركائز الكلاسيكية التقليدية للنظام الدستوري على قاعدة الغالبية والاقلية، وتمكنت قوى المعارضة بذلك من تحقيق ضربتها الكبرى التي أتاحت لها رفع شعار “الجمهورية التوافقية” التي تشكل واقعا الترجمة السياسية الحقيقية لما يسمى “الديموقراطية التوافقية”.

    في ظل هذه “الديموقراطية الفيدرالية” ووسط احتدام الاصطفاف السياسي بين معسكري 14 آذار و8 آذار كاد يوم 7 حزيران يتحول التاريخ الثاني 2008 بعد 14 آذار 2005 في سجل مكاسب “ثورة الارز”. خطف الانتصار الانتخابي الموصوف لقوى الغالبية وهجا هائلا على المستويين الداخلي والخارجي وأكسب الفريق المنتصر والاستحقاق الانتخابي بعدين كبيرين. عكس البعد الاول صمود “مزاج” 14 آذار بل تمدده شعبيا بعد 4 سنوات عاصفة لم تنل منه ولم تفت في عضده. فيما عكس البعد الثاني “الثأر الديموقراطي” السلمي للنظام الدستوري بعد طول انتهاك واضطرار الى التسليم بقواعد وقوانين وسوابق طارئة عليه.

    الصدمة

    كانت تلك المعايير والخلاصات الدستورية البديهية الصرفة التي يفترض قياس استحقاق انتخابي بها، في معزل عن كل “قدر” سياسي لاحق او مفاجأة قيد التحضير. لو قيض للاستحقاق الانتخابي ان يستكمل بنتائجه الطبيعية، لكانت أزمة النظام قد انتهت وطويت. غير أن هذه المعايير سرعان ما بدأت تتلاشى أمام فصل جديد من فصول المتغيرات السياسية التي أضافت الى سجل الازمة وجها لا يقل جسامة، بالمعنى الدستوري والسياسي، عن سوابقه.

    حمل الانتصار الانتخابي زعيم الغالبية سعد الحريري الى منصة الرئاسة الثالثة كنتيجة بديهية بعد أربع سنوات من هذه الزعامة وانتصارين انتخابيين متعاقبين، بما يعني تأهيله بالكامل لهذا الموقع. ما بين الاستشارات الاولية غير الرسمية والتكليف الرسمي، كان ثمة جدل صامت مكتوم داخليا وخارجيا عما اذا كان يتعين على الحريري الاقدام على هذه الخطوة أم البقاء في موقع زعامة الغالبية. لم يكن مثار الجدل متصلا بأهلية الحريري بطبيعة الحال، فمن يتبوأ زعامة الاكثرية في ظروف كتلك التي عرفها الحريري لا يبقي مجالا للشك في أهليته لتبوؤ رئاسة الحكومة. كان الجدل منذ اللحظة الاولى حول “الثمن” و”الكلفة” في وجهة واحدة، هي دمشق. فأي رئيس حكومة للبنان لا يمكنه ان يكون في منصبه هانئا وحاكما ما لم تفتح طريق بيروت – دمشق.

    حصل الخيار وغدا الحريري رئيسا مكلفا، على قاعدة “احترام نتائج الانتخابات” في الخلفية الداخلية، وزيارة دمشق “رئيسا للحكومة” وفصل ملف العلاقات الثنائية “المضرجة” بسنوات الصدام الكبير في الخلفية الاقليمية. هنا تماما تسلل شيء كثير من مناخ فجر الطائف الى الواقع اللبناني، ولو بسيبة مزدوجة هذه المرة لم يكن فيها حضور مباشر او غير مباشر للشهود الكبار الآخرين كالأميركيين على غرار ما حصل في الطائف وغداة بدء تطبيقه.

    على “السيبة” السورية – السعودية وتفاهم الرئيس السوري بشار الاسد والملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، بدأ ترتيب المشهد اللبناني الناشئ بصعوبة شديدة، أريد منها “توأمة” النظام الدستوري والنظام الميداني، بما يوازي ادخال جمل الطائف في خرم إبرة الثلث المعطل، ولو بمسميات وطقوس وآليات جديدة.

    وثمة في الداخل اللبناني من كان تقريبا في حجم هذا التحول الاقليمي، وجعل المعادلة تجنح بقوة على الاقل الى حدود التوازن السلبي بين الغالبية المنتصرة والاقلية الخاسرة في الانتخابات، وهو الزعيم المثير دوما للجدل وليد جنبلاط. لم يكن “انقلاب 2 آب 2008” تفصيلا عابرا في المعادلة الجديدة. فزعيم بحجم وليد جنبلاط وشخصيته ودوره الآخاذ الشديد التفاعل والتأثير في المجريات السياسية، كما في المعادلة الطائفية، وقوة جذبه للأضواء الاعلامية الداخلية والغربية، ما كان ليثير بخروجه من معسكر 14 آذار أقل مما أثاره من انعكاسات وكثير من الغضب المكبوت والمعلن في صفوف حلفائه القدامى، في مقابل كثير من الابتهاج والاحتفال في صفوف المعارضين.

    وحتى لو رسم جنبلاط حدودا صارمة لوقوفه في الوسط، بين 14 آذار و8 آذار، فان خروجه من المعسكر الاول ومن ثم تكليف الحريري تشكيل الحكومة، مقرونين بخلفية التفاهم السوري – السعودي، كلها عوامل أفضت الى فتح صفجة الاثمان المكلفة للانتصار الانتخابي الذي بدا كأنه قيد المراجعة والتقنين والتقييد تحت وطأة حسابات سياسية مباغتة، وهو لا يزال قيد الولادة.

    واذا كانت هذه العوامل رسمت الاطار العريض للمراجعة، فان معركة المفاوضات الطويلة والمضنية لتشكيل الحكومة خطت الفصل العملي والوجه التفصيلي للجنوح بأزمة النظام مجددا نحو متاهة الواقع الجديد.

    الانحراف بالنظام

    فمع أن تاريخ الحكومات في لبنان يحفل بعدد من الازمات المماثلة تكليفا او تشكيلا او استقالة، لكن قلما عرف رئيس حكومة تجربة صعبة في مماحكات التشكيل كما دشن سعد الحريري معموديته في هذا المضمار بين حزيران وتشرين الاول، وعبر التكليفين الاول والثاني، والحال ان الاشهر الخمسة تقريبا التي استهلكتها عملية التشكيل أفضت الى مجموعة وقائع ونتائج سياسية ذات امتدادات عميقة في أزمة النظام من شأنها أن تبقي ربط النزاع قائما بين الـ”ما قبل” الحكومة الجديدة والـ”ما بعدها” أي في مرحلة الاختبار الجديدة التي تعتبر نهاية السنة 2009 منطلقها العملي.

    بطبيعة الحال تحتل الصدارة الظاهرية لهذه الوقائع عملية “الحوار” الصعبة التي خاضها اثنان من أبرز الزعماء اللبنانيين، الرئيس الحريري والعماد ميشال عون، كانت تلك حلقة مشوقة ومثيرة في رؤية رأس الغالبية والزعيم المسيحي الاقوى في معسكر المعارضة يخوضان يوميات التفاوض فيما هما يرسمان ضمنا أحد أهم فصول التسوية التي تحدها نتائج الانتخابات من جهة والتفاهم السوري – السعودي من جهة مقابلة. بدا الحريري وعون يختصران مرحلة “العبور” الى واقع لبناني مستجد بالاصالة عما يمثله كل منهما وبالوكالة عن معسكريهما.

    في البعد الاول أكسب ذلك الحوار الحريري ما كان يحتاج اليه في الاثبات للمعارضة انه صاحب باع طويل في الانفتاح والمرونة على مطالبها وتوجهاتها بعدما فوضت الى عون هذه المهمة، كما أكسب الحوار عون ما كان يحتاج اليه في كسر حدة الخصومة مع السنة وزعيمهم الاقوى. كان المكسبان ضروريين لاستقامة احدى ركائز التسوية لأن الفريق الشيعي وحده ما كان كفيلا بالذهاب اليها منفردا من دون مظلته المسيحية، ولأن القوة السنية الاساسية لم يكن في امكانها تجاهل قدرة المعارضة على التعطيل لو لم تراع مطالب عون وخصوصا ان الانتخابات حافظت له على حجم الكتلة الاكبر لدى المعارضة.

    أما في البعد الثاني فان ما أفضت اليه نتائج المفاوضات، اضافة الى فرض واقع تشكيل “حكومة وحدة وطنية” شكل الجنوح الكبير بالنظام الى مشارف اطاحة قاعدة الغالبية والاقلية تقريبا. ذلك ان التسليم بـ”حق” كل قوة وكتلة في اختيار وزرائها، لم يكن سوى مظهر مكرس او مثبت لـ”نادي” ستة او سبعة زعماء – رؤساء يحظون بحق الفيتو على نحو يقيم واقعيا نظاما فيديراليا مقنعا هو النظام الرديف الحقيقي الذي يظلل الواقع الدستوري والسياسي والميداني في لبنان. ولم يكن الطائف الدستوري، في هذه العملية سوى اللافتة الشكلية التي بالكاد تبقي الانتظام الدستوري في اطار الطقوس. تبعا لذلك فان ميزان القوى استقام فعلا عند بيضة القبان المسيحية الاخرى، أي عبر مسيحيي 14 آذار الذين شكلوا نقطة الثقل لدى الحريري لموازنة الشهية المعارضة المفتوحة على قضم المكاسب. واذا كانت تركيبة الحكومة حافظت على هندسة متوازنة للقوى في اطارها الاجمالي، فان مفاعيل ولادتها على النظام وحاضره ومستقبله ما كانت سوى “فائض أزمة” نظرا الى تكريسها مجموعة أعراف جديدة ليس أقلها خطورة، تحويل “الزعماء – الرؤساء” شركاء فعليين في تشكيل الحكومة، واطاحة مبدأ الاكثرية الحاكمة والاقلية المعارضة، والتحايل على “الثلث المعطل” السافر بتمرير شقيقه المقنع ضمن معادلة 15 – 10 – 5 فضلا عن اختصار مجلس النواب برمته ببرلمان مصغر تنفيذي بات هو الحكومة عينها مما استولد تلك الظاهرة النافرة في تاريخ الديموقراطية البرلمانية مع نيل الحكومة ثقة شبه اجماعية بـ121 صوتا.

    الهدنة

    ولعل المفارقة الكبرى التي أعقبت هذا التطور هي ان الزيارة الدراماتيكية التي قام بها الرئيس الحريري لدمشق في الهزيع الاخير من السنة، أثارت مدا هائلا من التفاعلات والقراءات والنتائج والانعكاسات التي عزيت كلها الى اطار اقليمي – داخلي محدد، ولكن غاب عن كل مشهدها الخاطف للأضواء والاهتمامات الدافع الداخلي الجوهري المتمثل بأزمة النظام نفسه. والواقع ان الحريري الذي تميز في وصف تركيبة حكومته بأنها ذات طابع استثنائي، مدركا معنى كل المخاض الصعب الذي اجتازه للنجاة بتشكيلها، كان يدرك ايضا، ان الوجه الآخر لأزمة النظام التي سيضطر الى التعايش معها رئيسا للحكومة يمر حكما بدمشق، والا فالعودة الى ما سبق اتفاق الدوحة وتشكيل الحكومة الجديدة هي أقل المحاذير. التفاهم السوري – السعودي شكل كاسحة الالغام “لطي الصفحة” المأزومة وفتح الصفحة الجديدة، في الاطار الاقليمي الابعد. لكن أزمة النظام شكلت الدافع الاول للزيارة على قاعدة الفصل بين ملف العلاقات الثنائية والمحكمة الدولية. ولعلها مفارقة أخرى ان تترك الزيارة واقعا أشبه ما يكون بولادة الحكومة نفسها. فالزيارة فتحت الباب أمام هدنة طويلة على الاقل من دون أن توصد باب ربط النزاع بين ملفي العلاقات الثنائية والمحكمة، تماما كما فتحت الحكومة الباب امام تعايش طويل بين المعسكرارت اللبنانية من دون ان تقفل التفاعل العميق لأزمة النظام. وبذلك تكون السنة 2010 قد ورثت واقعين ملتصقين على مشهد انفراج اقليمي وداخلي محفوف بمفاجآت الاختبار لربط النزاع المزدوج بين التحكم الخارجي بالمصير الداخلي وقدرة “النظام الهجين” على الابحار في تجربة التعايش الصعب.

    نبيل بو منصف
    جريدة النهار
    29.12.2009

    Leave a Reply