• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    المرأة في لبنان والكويت تغير أكيد في الذهنية

    يساعد مفهوم الذهنية في محاولة معرفة المختلف أو المتغير في محتوى منظومة معينة من منظومات الفكر مقابل المكونات الأخرى ، كالأعراف أو المعتقدات. ويفترض هذا المفهوم احياناً وجود ذهنيات متعددة عند نفس الشخص. لكن قد تبرز مشكلة معاكسة أيضاً وهي عدم رؤية التمايزات الفردية أو عدم إعطاءها ما يكفي من الأهمية عند الحديث عن ذهنية عامة عند مجموعة معينة من البشر ناهيك عن مجتمع بكامله. فالمجموعات لا تفكر، فقط الأفراد يفكرون.

    السؤال هنا، هل يفكر الأفراد عند وجودهم في جماعة بنفس الطريقة التي يفكرون فيها عندما يكونون منفردين؟ بمعنى التلوين الجماعي للنفسية،أي الطريقة الخاصة التي يحس ويفكر فيها شعب ما أو مجموعة ما أو شخص معيّن . ربما يذكّر ذلك بيونغ عندما تحدث عن لاوعي جماعي. كما يرجعنا الى لوبون واكتشافه لسيكولوجية الحشود الموحدة في حالات معينة. وهنا تدخل ايضاً أعمال آرييس ودور القراءة الصامتة في إدخال وعي نقدي جديد تُكسبه للفرد. والذهنية هي شكل من أشكال الفكر، انها صفة لما هو ذهني. وبحسب التأريخ لنظرية الذهنية لا يظل موقف البشر النفسي على ما هو عليه عبر جميع الحقب، وهي الفكرة التي تقابل فكرة الفلاسفة حول تعبير الايديولوجيا. مع إن التعبيرين اتخذا تاريخياً معنىً سلبياً. لكن التعميم هو أحد مكوّنات التعصب. سبق لدوركهايم أن فرّق بين “التمثلات الفردية والتمثلات الجماعية” في نهاية القرن التاسع عشر. وسوف يعين تحت تعبير ذهنية جماعية، طريقة التفكير العامة التي تسود في مجتمع معين في لحظة معينة.

    يجد لوغوف:”إن تاريخ الذهنيات هو تاريخ البطء في التاريخ”. وهو أيضاً إعادة بناء السلوكيات، التعابير، الصمت، والتي تترجم مفاهيم العالم والحساسيات الجماعية، تمثلات وصور، أساطير وقيم معترف بها اوتخضع لها المجموعات او المجتمعات . باختصار الذهنية هي كل ما يشكل محتوى النفسانيات الواعية متضمنة حكماً الميدان العاطفي والمشاعر والشغف. أي الحساسيات كما المرجعيات الفكرية.

    هذا التعريف المفصّل لمقولة الذهنية وكيفية تكونها في لحظة معينة وكيف تعبّر عن نفسها أسوقه في محاولة لفهم وتفسير بعض الظواهر في المجتمعات العربية، خاصة مثالي لبنان والكويت.

    لقد نعينا طويلاً في لبنان، خلال جميع الندوات المتعلقة بالمرأة وحقوقها وتمثيلها في المجال العام وفي المجال السياسي وعلى مستوى القيادة، مشيرين بشكل محق تماماً الى التناقض الصارخ بين وجود المرأة اللبنانية الفاعل على جميع المستويات في الحياة العامة وفي جميع الميادين والمجالات والنقابات ما عدا على مستوى القرار سواء في الدولة أو في القطاع الخاص.

    لكن وبما أننا نتحدث عن الذهنية بهذه المناسبة، فما حصل هذا العام خاصة هو تعبير دقيق ونموذجي عن كيفية عمل مفهوم الذهنية وآليته. فجأة اعتلت السيدة حداد منصب نقيبة للمرة الأولى لأعرق وأهم نقابة في لبنان وذات الرمزية البلغة، أي نقابة المحامين، التي تأسست منذ العام 1919. لقد تم انتخاب سيدة من أجل أعلى منصب في نقابة المحامين في لبنان، في نفس الوقت الذي عينت فيه وزيرتان، إحداهما وزيرة للمال وهي تعد من أهم الوزارات في بلد مثل لبنان، إذا لم تكن الأهم، بسبب الديون المترتبة عليه وبسبب الأوضاع الاقتصادية وتنفيذ باريس 3 وكل ما يتبع.

    سبق أن عينت وزيرات في لبنان لكن في وزارات “تليق بالسيدات” مثل التربية والشؤون الاجتماعية. ولكن هذه المرة استلمت السيدة الحفار الحسن وزارة “رجالية” بامتياز. وتسلمت سيدة سدة رئاسة نقابة مهنة رجالية عريقة.

    تماماً كما شكّل نجاح 4 سيدات كويتيات في الوصول الى البرلمان الكويتي بالرغم من ممانعة وتحفظ الأصوليين والقوى التقليدية، كان تعبيراً عن بروز “ذهنية” جديدة عبرت عن نفسها بهذا الخيار المستقل والناضج حتى من دون اللجوء الى الكوتا او ما يعرف بالتمييز الايجابي.

    كثيرة هي الظواهر الصغيرة مثل هذه والتي تبرز على طول العالم العربي وعرضه، مثل نجاح السيدات المناضلات المغربيات في فرض قانون أحوال شخصية أكثر عدلاً منذ سنوات قليلة.

    قد يعترض معترض من أن هذا الطرح يتجاهل وجود وزيرات ونائبات في سورية وتونس والاردن والسودان وغيرها. وبأعداد تبدو “غفيرة” في عالمنا العربي (والأصح القول “عوالمنا” العربية من الآن وصاعداً فوحدة الوطن العربي الواحد مجرد فكرة في الرأس، بقايا ذهنية قديمة)، لكني قصدت الاشارة الى التغيير الذي يحصل بشكل عفوي ومن دون دفع خارجي بسبب ضغط الامم المتحدة او قمة بكين او غيرها أو لتحسين صورة نظام.

    هذا هو التغيير الذي يعبر فعلاً عن حركة ما في المجتمع وعلى مستويات عدة عميقة تمت على مهل وببطء الى ان أعلنت عن نفسها بهذا الشكل.

    انها “ذهنية” جديدة تغزو عالمنا على مهل. لا أدري كيف سوف تتطور او تتمظهر وفي أية ميادين أو أية بلدان أيضاً. لكن وكما اعترض الشعب الايراني على تزوير الانتخابات الرئاسية وجاء رفضه كتعبير عن ذهنية عند الشباب تختلف تمام الاختلاف عن ذهنية الطبقة الحاكمة المستبدة التي تتمتع بذهنية من عصور أثرية لم يعد ممكناً أن تُقبل من أي شاب أو شابة من الجيل الجديد. برز قبول النساء والاقتراع الجر من اجلهن في الأمثلة المذكورة.

    ولنفهم أكثر موضوعة الذهنية يجدر بنا أن نطرح على انفسنا بعض الأسئلة:

    ما هي مراكز بلورة وخلق وتعميم ذهنية ما؟ كيف تتحول الذهنيات، وكيف تتشوه، وتغتني، وتحل محل، أو تدخل في مقاومة مع أطر عقلية أخرى؟وكيف تتعايش في نفس الحقبة وعند نفس المجموعة أو نفس الفرد عدة ذهنيات؟ كيف وفي ظل أية ظروف تتخلد ذهنيات معينة؟ ما هي تموجاتها وإيقاعها ومتى تبطل؟ وما هي الصلة التي تنشأ بين البنى الاجتماعة والذهنية؟ ما هو دور التوتر والنزاعات والصرعات الاجتماعية؟

    وذلك كي لا نعتقد ان وجود ذهنية ما يلغي وجود ما يناقضها في نفس المجتمع. لكن هناك في لحظة معينة تجمع لعدد من المسائل الصغيرة تبرز فجأة وتخرج على هذا الشكل المفاجئ الجميل.

    ذلك لا يعني ان الزمن لن يأتي بذهنيات بديلة أخرى فيما بعد. فتطور التاريخ يتم بطريقة لولبية على رأي توينبي .

    منى فياض
    جريدة أوان
    19.12.2009

    Leave a Reply