• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    وهذا ما نسمّيه سياسة

    مدعاةٌ للفرح والسرور أن تتحسّن العلاقات السوريّة – اللبنانيّة، وأن تُطوى حقّاً صفحة الماضي. هذا ما لا يحتاج إلى شرح ولا إلى إضافة.

    لكنْ، قبل ذلك، ينبغي أن نعرف ما هو الماضي الذي ستُطوى صفحته، لأنّنا ما لم نعرف ذلك لن نكون قادرين على الدخول في مستقبل أفضل، أو التعلّم من درس أو عبرة.

    والحال أنّ التكتّم على الماضي لا يؤهّلنا إلا إلى آتٍ مكتوم، ومن ثمّ تكراريّ. وهذا السلوك الذي يحتفل بالمصالحة من دون أن يشير إلى الخلاف، هو ما يسمّيه البعض بـ «تبويس اللحى». وعند «التبويس» يكون من غير اللائق استرجاع ما يكدّر «التبويس» ذاك.

    ولا شكّ أنّنا لن نتساوى في معرفة الحقائق ولا في حريّة المطالبة بها. ذاك أنّ المعلومات والأقوال والكتابات، ولأسباب معروفة، متاحة في لبنان أكثر كثيراً مما في سوريّة. وهذا ما يجعل التطلّب اللبنانيّ للمعرفة أعلى من التطلّب السوريّ المحمول منذ عقود على الاكتفاء بما يدور في الغرف المغلقة بين الزعماء. إلا أنّ التطلّب اللبنانيّ نفسه لا يقوى على مناهضة التقليد المكين والمتمكّن من «ثقافتنا» السياسيّة والإعلاميّة.

    وما يدعو إلى الحذر، بل القلق، أنّ عدم شرح الماضي، بذريعة أنّنا «كلّنا إخوان»، إغفال للمعنى. فكأنّما الأحداث تحدث بلا أسباب ثمّ تنقلب على نفسها بلا سبب أيضاً. وهذا أقرب إلى التسحير الذي يتيح الشكّ بجواز وقوعنا في مدار التاريخ، أو بجواز أن يكون لنا تاريخ أصلاً. وما دام أن بشراً حملوا هذا المعنى المغيّب وبذلوا الجهد، وأحياناً الدم، في سبيله، بات الكتمان إغفالاً لأولئك البشر وهم كثيرون جدّاً. وهذا، بدوره، ما يجيز الطعن بمدى انتمائنا، في سوريّة كما في لبنان، إلى قيم حديثة نقول، كلّ منّا بطريقته، إنّنا ننتمي إليها.

    بطبيعة الحال سوف نعيش إلى حين يطول أو يقصر على غذاء «فكريّ» يدور حول «الصحيح» الذي لا يصحّ إلاه، أو حول «قدر التاريخ»، أو «قدر الجغرافيا»، أو «صحوة الضمائر»، وبالتأكيد سنكتشف من جديد أنّ الله أرسل لنا إسرائيل كي تصالحنا أهلاً لروميو يعانقون أهل جولييت. ولسوف تُذرف دموع كثيرة في لقاءات «إخوة» حال بينهم سوء فهم وتفاهم. وعلى الهامش، سوف يضاف بإلغاز لا يتعدّى السطر الواحد: إنّها «المصالحات العربيّة»، كما سيدلي «المنظّرون الاستراتيجيّون» بيننا بدلوهم «مراهنين» على انفكاك وشيك بين دمشق وطهران.

    بعد ذاك، بعد حين يطول أو يقصر، سنجدنا وجهاً لوجه حيال غذاء «فكريّ» من صنف آخر. لكنّه، هو الآخر، سوف يدور حول «الصحيح» الذي لا يصحّ سواه، يندرج فيه، هذه المرّة، التذكير بكلّ ما لا يُشار اليوم إليه، معطوفاً على جرعة من المبالغة بعد فترة الكبت الفاصلة.

    في هذه الغضون لن يتبقّى لـ «التاريخ» إلا «أخبار» عن الإخوانيّات وعمّا قاله فلان لفلان أو عاتب به فلان فلاناً، ما يصلح زاداً دسماً لسهرات «المعنيّين في الشأن العام» و «المراقبين العالمين ببواطن الأمور». وهذا جميعاً يملك في لغتنا اسم «السياسة».

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    22.12.2009

    Leave a Reply