• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نحتاج الى طوارئ بيئية

    لطالما ذهلت، في فترة المشاورات لتشكيل الحكومات اللبنانية الغنية عن التعريف، من طريقة التعاطي مع وزارة حيوية ومرتبطة مباشرة بشؤون الناس كوزارة البيئة. ولطالما احسست بالخيبة نظراً الى اسلوب تعامل المسؤولين السياسيين معها وذلك عبر تقاذفها من الجبهة الموالية الى الجبهة المعارضة، والعكس صحيح، والصاقها بالطرف الخصم وابعادها عن دائرة المغانم سعياً وراء تحقيق المكاسب بوزارات اساسية اوسيادية (حسب تعبيرشائع) واستراتيجية تترجم القدرة على التحكم بزمام الامورعلى الطريقة اللبنانية من الدون السعي بشكل فعلي لتأمين مصالح مواطن يريد العيش بكرامة.

    ولطالما تعجبت من قدرة السياسين المخضرمين على “شلح” تصريحاتهم كأن يقول احدهم مثلا في تعليق لم يبارح ذاكرتي بأنه لا يرضى بوزارة كهذه – و اعني دائما وزارة البيئة – لإبنه معتبراً انها لا تليق به وبمنصبه ومطالباً له بمركز اساسي! يضاف الى كل ما سبق، اندهاشي من طريقة تعاطي المجتمع اللبناني مع الموضوع البيئي بشكل عام وذلك بتصنيفه ضمن اطار الكماليات او نوعاً من الديكور الثقافي لمجموعة احاديث قد تدور عن صيحات الموضة وعن اخبار الخادمات الاجنبيات وعن اماكن السهر في بيروت، او لمجموعة نقاشات سياسية محتدمة تختتم بالكلام عن “بيئة ما بيئة” التي قد تعمل على تطرية الاجواء بين طرفين متناحرين.

    وقد ادى كل ذلك الى دوراني في دوامة يأس من تحريك مواضيع بيئية في لبنان تصنف في الكثير من الدول في مرتبة البدائية حيث تغيب الخطط الوطنية للتصدي للتدهور البيئي المستمر وتختفي التشريعات والقوانين (وتطبيقها) التي تكفل للمواطن الحماية من التهديدات البيئية. ومما فاقم من يأسي ايضاً هو اتساع النقاش في العالم أجمع، خاصة في السنوات الثلاث الاخيرة حول الحرب الكونية الشاملة ضد شبح التغير المناخي المخيف الذي يهدد حياة البشر واستمرارهم وافتقاد لبنان (في ظل حروبه المفتوحة) حتى لبنية التوعية حول اسبابه ونتائجه وطريقة التخفيف من تأثيراته ووسائل التكيف معه، فيصير الخلط بين الاحتباس الحراري الناتج عن انبعاثات غازات الدفيئة وثقب الاوزون واقعاً وتتحول نظرية تحييد لبنان عن تأثيراته مبرراً للتعاقس على الصعيد الرسمي خصوصاً والشعبي بشكل عام.

    لحسن الحظ، ومع اتجاه انظار العالم كله الى قمة كوبنهاغن المناخية حيث يؤمل التوصل الى اتفاقية جديدة لتقليص انبعاث غازات الدفيئة العالمية بنسبة 50 في المئة على الأقل بحلول العام 2050 (تحل محل اتفاقية كيوتو غير العادلة بحق الانظمة المناخية التي تميز كل منطقة على كوكب الارض)، ومع استيلاد الحكومة مجدداً بعد غيبتها الكبرى، جاءنا التحرك اللبناني المنتظر،المتأخر ولكن الايجابي بعد تشكيل وفد لبناني رسمي يرئسه رئيس الحكومة سعد الحريري ويضم وزير البيئة محمد رحال وآخرين ليمثل لبنان في القمة المناخية. كما رافقه حراك مناخي – بيئي سياسي وشعبي احتضن توحد بعض منظمات المجتمع المدني في هذا الميدان لفترة طويلة في بلد صغير المساحة لا يساهم في الانبعاثات الا بنسبة 0.07% من 5% هي انبعاثات العالم العربي (ارقام وزارة البيئة) ولكنه المتأثر من نتائجه على الصعد كافة اسوة بغيره من الدول.

    وقد ترجم هذا الحراك في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وفي برامج “التوك الشو” الشهيرة التي قلما ما افردت حيزا لتلك المواضيع الحياتية في السابق. وقد تميز وزير البيئة، من وجهة نظري (استناداً الى حركته عبر وسائل الاعلام) بتسلحه بارقام ونتائج ومعطيات، اتمنى الا تتحول مع الوقت خطاباً فولكلورياً تقليدياً يطالب به الدولة بالوقوف امام مسؤولياتها! مما يضعه امام مهمات صعبة بسبب تعلقنا ببصيص الامل الذي سطع من باب مغارة علي بابا البيئية المفتوحة على مصراعيها بعد عقود من تراكمات نتيجة لسنوات الحرب الأهلية المدمرة وما رافقها من فوضى مستمرة (حتى اليوم) وغياب دائم لمؤسسات الدولة، سنوات الاحتلال الاسرائيلي وحروبه التدميرية، زمن الوصاية السورية وما رافقها من هيمنة وتبعية وزبائنية وفساد، الشكل الليبرالي للاقتصاد اللبناني وسيطرة النظم الاستهلاكية على المجتمع، تهرب الفرقاء السياسيين وعدم وجود استراتيجية واضحة لادارة الموارد الطبيعية.

    في ضوء اتساع مغارة علي بابا وتصاعد الحماسة الرسمية لبلوغه الذروة، على الحكومة اللبنانية ان تستثمر انفعالاتها في ادائها المقبل قبل ان تهبط على رؤوسنا الصغيرة، بغض النظر عن نتائج مؤتمر كوبنهاغن وخاصة في ما يتعلق بدور الدول النامية كلبنان. بالاضافة الى ضرورة وضع خطط لخفض انبعاثات غازات الدفيئة وتطوير وسائل التكيف مع التغير المناخي، سنحتاج الى سباق مع الزمن لوقف استنزاف مورادنا الطبيعية والذي قد يسبق التغير المناخي في القضاء على لبنان. حيث أن ملفات التدهور البيئي، صمدت منذ اكثر من عشرين عاماً في ادراج وزارات عدة، بلا حلول وتفاقم معظمها بشكل لافت.

    فماذا عن ملفات تلوث المياه الجوفية والسطحية والبحر والتربة؟ وعن التمادي في استهلاك المبيدات بطريقة عشوائية وعن الاستسهال في حفر الآبار الارتوازية وغياب معالجة المياه المبتذلة؟ وماذا عن سوء ادارة مياه الشفة وتدهور نوعيتها وندرة وصولها الى بيوت اللبنانيين مما يزيد من كلفة فاتورتهم الصحية والمعيشية بسبب شراء المياه المعبأة الجاهزة للشرب؟

    وماذا عن تدهور نوعية الهواء بسبب تعدد انواع الملوثات من دخان المصانع الى غبارالكسارات الى حرائق الغابات والنفايات الى المولدات الكهربائية الى وسائل النقل والمغالاة في استعمالها مع غياب اي خطة وطنية لتنظيم قطاع النقل العام في لبنان؟

    وماذا عن موضوع غياب الحلول الخضراء كاستخدام الطاقات البديلة (من الماء والرياح والشمس) عوض اعتماد لبنان على النفط واستمرار تسوله للحصول على الكهرباء وهدره الملايين من الدولارات على علاجات غير مجدية لقطاع الكهرباء؟

    وماذا عن التعدي على الاملاك البحرية وشفط رمل الشواطئ وانشاء مرافئ الاستجمام غير الشرعية؟ وماذا عن مصير مشاريع انشاء الجزر الاصطناعية كجزيرة الارزة؟

    وماذا عن ملف ادارة النفايات السامة والمنزلية والصناعية والردميات ونفايات المستشفيات والنفايات المرتبطة بالنزاعات (حرب تموز 2006) ووجود المكبات وانهيار جبالها اليومي؟ وماذا عن ملف الكسارات وعشوائية انتشارها وتمددها لتأكل الاخضر واليابس ووجودها في مناطق محمية سياسياً حيث لا تزال تعمل من دون اي اعتبار للقوانين والمخططات التوجيهية؟ وعن قضية تآكل المساحات الخضراء بسبب مجازر قطع الأشجار، والحرائق الصيفية (خاصة المفتعلة منها)، وإنشاء الطرق العشوائية والضغط العقاري، وبناء المجمعات السكنية العشوائية وغياب اي اعتبار للتنظيم المدني؟

    وماذا عن التلوث السمعي لآذان اللبنانين خاصة لقاطني المدن، وماذا عن ملفات الامن الغذائي وعن التنوع البيولوجي وعن وعن وعن وعن؟

    أما آن الاوان لان تتحول الحكومات الحالية والآتية الى حكومات لوضع خطط طوارئ بيئية وادخال معالجة التدهور البيئي في صلب السياسات العامة؟ وذلك عوضاً عن الاستمرار في الترنح عند سماع أغنيات حنين للبنان “قطعة سما” سابقاً والمفاخرة بالارزة الوحيدة المتبقية وسط العلم اللبناني حيث يتم التنازع حالياً على ملكيته من قبل “بناية 10 طبقات” تؤرخ لسقوط وطن منتهي الصلاحية!

    داليا عبيد
    جريدة النهار
    16.12.2009

    Leave a Reply