• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عن “التوافق” أيضاً

    يقوم المعنى الذي أعطي لـ”التوافق”، والذي تعبّر عنه الحكومة الجديدة وبيانها الوزاريّ، على افتراضين أساسيّين اثنين:

    الأوّل أنّ السلاح ومسائل الحرب والسلام تبقى خارج هذا التوافق، بحيث يقرّرها حساب القوّة المحضة وحده. هكذا يكون نقاشها ومحاولة التدخّل فيها أقرب إلى خروج على التوافق، علماً أنّ القضايا تلك تطاول سائر اللبنانيّين في حياتهم وموتهم وما بينهما. وشيئاً فشيئاً يصير التخوين نصيب من يطالب باشتمال التوافق على القضايا المذكورة.

    وهذا جانب كثر الكلام فيه والتعليق عليه، إلاّ أنّ الافتراض الثاني الذي ينهض عليه الفهم السائد لـ”التوافق” هو الذي لم يحظ بما يستحقّ من اهتمام. ومفاد الافتراض هذا تعطيل السياسة تماماً عبر تحويل الحكومة نوعاً من برلمان مصغّر لا مكان فيه لأكثريّة وأقليّة. هكذا يتمّ إلحاق الشلل التامّ بالمؤسّسات السياسيّة فيُجمّد البلد (أو يُجلّد) في قضايا ثابتة يستحيل حلّها كما يستحيل التقدّم تالياً لمواجهة قضايا أخرى مستجدّة. هكذا، بدل الخيام التي نُصبت في الوسط التجاريّ لمنع حكومة فؤاد السنيورة من أن تكون حكومة فعليّة، تُنصَب الخيام داخل الحكومة ذاتها، فتتولّى هذه الأخيرة منع نفسها من أن تصير حكومة.

    والافتراضان ينبغي تناولهما معاً، في حزمة واحدة، من أجل الإطلال على الجذر الثقافيّ الأعمق لفهم “التوافق” على هذا النحو. ذاك أنّ ما هو سلاحيّ يكون محسوماً سلفاً فيما هو سياسيّ يكون مستحيلاً على الحسم وهكذا يبقى إلى أن يقضي الله أمراً.

    ومعنى ذلك أنّ الأولويّة المطلقة مكتوبة للسلاح على السياسة والرأي والمؤسّسات وعلى كلّ اعتبار آخر، وأنّه بدل أن تكون وظيفة السلاح خدمة الحياة تغدو وظيفة الحياة خدمة السلاح. مثل هذا التصوّر يحيل لبنان مصنعاً لإنتاج كائنات مشوّهة وضيّقة الأفق، بل بلهاء، من طينة الكائنات التي ينتجها نظام كيم جونغ إيل في كوريا الشماليّة. إنّه لا ينتج مواطنين يملكون حسّ النقد بل يخلق مقاتلين يملكون حسّ مبايعة الزعيم والقضيّة والهتاف لهما ورفع القبضة بالتحيّة.

    ويُخشى أن يؤدّي هذا التجويف العميق للاجتماع وللعقل اللبنانيّين إلى إضافة سبب آخر للقول باستحالة أن يأتي أيّ تغيير من الداخل. وهذا ما يُدرج لبنان، شيئاً فشيئاً، ويوماً بعد يوم، في خانة البُنى المستعصية. أمّا “التوافق”، أخيراً، فلا يكون سوى تأبيد هذا الاستعصاء، وفي الوقت نفسه، رفعه إلى مصاف المقدّس.

    حازم صاغية
    NOW Lebanon
    15.12.2009

    Leave a Reply