• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الشعوب التي لا تُحاسب شعوب تعيش شيخوخة دائمة

    ليس صحيحاً ان هناك تعريفاً واحداً لمفهوم السياسة، كأن يختصره البعض بالقول ان السياسة ‏هي فن الممكن، وليس صحيحاً ايضا ان ممارسة السياسة هي ذاتها التي تتبع في كل بلد، لان ‏السياسة تختلف بين بلد وآخر ونظام واخر، فممارسة السياسة في الدول التي وصلت الى القمة في ‏مفهوم العمل السياسي، مثل معظم الدول الاسكندنافية، هي ارقى وانظف واكثر شفافية حتى ‏من الدول المعروفة بنظامها الديموقراطي مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واسبانيا ‏وغيرها من الدول الاخرى، وبطبيعة الحال لا تجوز المقارنة بين جميع هذه الدول، وبين تلك التي ‏تدعي وتفاخر بأنها دول ديموقراطية، وتمارس السياسة طبقاً للنظام الديموقراطي البرلماني ‏الحر، واذا اردنا ان نضيق المساحة الجغرافية لانتشار الديموقراطية في العالم، ونحصرها في ‏مساحة العالم العربي، نجد ان هناك دولتين عربيتين فقط تمارسان نظاما يشبه الى حد ما ‏النظام الديموقراطي هما لبنان في الدرجة الاولى، والكويت في بعض جوانبه، انما ممارسة ‏السياسة في هذين البلدين وفي دول العالم العربي فما تزال مع الاسف اسيرة الوصف الذي ‏اطلقه الرئيس سليم الحص على الوضع السياسي في لبنان، حين قال : «في لبنان الكثير من ‏الحرية والقليل من الديموقراطية».

    ويحسن هنا ان نضيف، ان في لبنان ايضا القليل القليل ‏من احترام القوانين والدستور، واحترام الشعب وذاكرته.‏

    باستثناء قلة قليلة جداً من السياسيين الذين يتمسكون بمبادئهم وثوابتهم ومواقفهم، مهما ‏دفعوا من اثمان بسبب هذا التمسك، حتى ولو وصل الثمن الى الاستشهاد وبذل الدم، وامس ‏احيينا ذكرى استشهاد كبيرين من كبار اهل الكلمة والسيف والحرية، والوطنية، هما جبران ‏تويني واللواء فرنسوا الحاج، رفضا الخضوع للجزارين والجاهليين، وتمسكا بقيم الشرف ‏والتضحية والوطنية بعيدا من اي حسابات شخصية.

    هناك في المقابل سياسيون يشبهون دواليب ‏الهواء، يدورون ويبرمون، وفق دوران الرياح الدولية والاقليمية والمحلية، دونما احترام ‏لجمهورهم وناسهم وذاكرة الشعب، وينقلون بارودتهم من كتف لكتف، ومن خدمة جهة الى خدمة ‏جهة اخرى، وذلك تحت حجة ان السياسة هي فن الممكن، وان السياسي الشاطر هو الذي يعرف متى ‏يهبّ الهواء في دولابه، وان الغاية تبرر الوسيلة، ونسوا ان الحياة وقفة عز، وانها للاقوياء ‏في نفوسهم، وان من يحب الموت دفاعاً عن الحق، يخافه خصمه.‏

    هذه القيادات السياسية البهلوانية، حرة في مواقفها المتشقلبة، وحرة في «فلسفتها» ‏الانهزامية، وحسابها على سلوكها وسياستها، يجب ان يكون عند الناس الذين آمنوا بخط هذه ‏القيادات وبخطابها الذي حسبوه وطنيا، وليس سلّما للوصول الى مكان آخر وهدف آخر، اما اذا ‏شاء هؤلاء ان يبقوا جزءا من الرأي العام البغل، كما وصفه الاديب الراحل سعيد تقي ‏الدين، فهذا شأنهم وعلى اكتافهم تقع مسؤولية اخذ لبنان الى مستقبل مظلم، تحت شعار اخذه ‏الى القوة والمجد والانتصار، الذي سبق ورفعه عشرات الزعماء والقادة في العالم، وكانت ‏نتيجته ما حلّ بدولهم وشعوبهم وشعوب غيرهم في الحربين العالميتين الاولى والثانية، والحروب ‏الصغيرة الاخرى التي رافقت وتلت وما تزال مستمرة.‏

    ‏* * *‏

    الشعوب التي لا تحاسب قادتها وزعماءها وحكامها بالطرق الديموقراطية المتاحة، كمثل ‏الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية والطالبية، وتبقى تجدد لهم وتمدد لا فرق ان هم ‏اخطأوا او اصابوا، هي شعوب لا يمكن ان تصل الى مصاف الشعوب الربيعية، اي الشعوب التي ‏تتجدد مع كل ربيع مزهر ومشرق، بل تبقى تعيش خريفها وشتاءها في عز الشباب والانبعاث ‏والخلق، فتدمن الشيخوخة، وتستوطن بها امراض الشيخوخة الكثيرة، فيهرم اللبناني، وهو ما ‏زال على مقاعد الدراسة، لانه لا يريد ولا يستطيع ان يخرج من جلد التبعية والارتهان، ‏فيستسهل الحلول الوسط التي تأكل من ارادته وتصميمه ورغبته بالتغيير الحقيقي، وليس ‏التغيير الخطابي الشعبوي، الذي لا هدف له سوى خدمة الشخص، هذا «الشخص» الذي قدمه لنا ‏الاخوين رحباني في مسرحيتهما التي تحمل الاسم ذاته، واظهراه كما هو على حقيقته.‏

    في كل مرة نحتفل بذكرى شهيد، نزداد ثقة بأن دم الشهادة يزهر ابطالا ومقاومين ومؤمنين، ‏وان الارض التي ارتوت بدماء الشهداء هي ارض مقدسة، واذا كان يقال إن ارض لبنان هي ارض ‏قداسة، فلأنها رويت منذ مئات الاعوام بدم التضحية والصدق والحرية ونكران الذات، وهي ‏ذاتها صفات جبران وفرنسوا ومن استشهد قبلهما ومعهما وبعدهما، ومن هم منذورون للشهادة ‏من اجل لبنان.

    فؤاد أبو زيد
    جريدة الديار
    14.12.2009

    Leave a Reply