• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    التوافق وما ينبني عليه

    منذ الوثيقة السياسيّة التي قدّمها “حزب الله” مؤخّراً، عاد إلى التداول مفهوم “الديموقراطيّة التوافقيّة” التي قالت الوثيقة إنّها تتمسّك به. ولمّا كان هذا التمسّك نابعاً من صلة الديموقراطيّة تلك بـ”جوهر العيش المشترك”، بات من الضروريّ الرجوع إلى ذلك “العيش” نفسه، أي من ثمّ إلى المجتمع اللبنانيّ بعينه.

    فالتوافقيّة نتاج تعدّديّة المجتمع أوّلاً بأوّل. وهي ليست تعدّديّة من النوع الذي يقتصر على تسيير السياسة والاقتصاد، مما تنظّمه الحياة البرلمانيّة وتداول السلطة، بل من ذاك النوع الذي يتّصل بشؤون الحياة والموت، أي المصير. ولنقل إن مساحات التعدّد هنا تشبه المساحات التي تفصل الأطراف التي تطالب بـ”تقرير المصير” لدى احتكاك واحدها بالآخر. إلاّ أنّه وتجنّباً لمطالب من هذا النوع، لا بدّ من التوافق على “المصير” ومعناه وطرق التعامل معه.

    فلو لم يكن حجم اختلافنا في الأساسيّات ضخماً، أو لو أننّا “كلّنا إخوان”، على ما تقول رطانة تبويس اللحى العربيّة، لما كانت هناك حاجة إلى التوافق أصلاً.

    هكذا يُلاحَظ أنّ المجتمعات التي يجعلها تركيبها توافُقيّة، عبر صيغة او أخرى، لا بدّ أن تكون “ضعيفة”: ينطبق هذا على سويسرا المحايدة انطباقه على بلجيكا المحايدة. فالحصيلة التي ينتهي إليها التوافق بين جماعات متعدّدة لا ترسو على إنشاء جيوش كبرى أو اعتماد اقتصاد حرب أو انخراط في معركة وجود أو عدم.

    نعم، هناك طريقة أخرى في فهم تلك المجتمعات، وهو أن تستولي جماعة بعينها على السلطة ومصادرها، وأن تغصب الجماعات الأخرى وتجبرها على الخضوع. وفي هذه الحال لا يعود جائزاً الكلام عن التوافقيّة، بل لا يعود الكلام جائزاً عن الديموقراطيّة في المحلّ الأوّل. ففي زيمبابوي تفرض القبائل الناطقة بلغة الشونا رأيها ونظرتها إلى الأمور على القبائل الناطقة بالنديبيل، وفي فيتنام تهيمن نظرة الشمال وتُفرَض على أهل الجنوب. هكذا يمكن لتلك المجتمعات والأنظمة إنتاج بلدان “قويّة” بالمعنى السالف ذكره. ففيتنام تملك، بالفعل، أحد أقوى عشرة جيوش في العالم، فيما حاكم زيمبابوي، روبرت موغابي، استطاع أن يزجّ بلده في حرب الكونغو، في التسعينات، فيما أهل البلد يتضوّرون جوعاً ولا يُسأل لهم رأي.

    قصارى القول إن التعدّديّة التوافقيّة (قبل أن نصل إلى الديموقراطيّة التوافقيّة) تنسجم مع الضعف ولا تنسجم مع القوّة. فإمّا القوّة التي تقمع التعدّد بالسلاح، وإمّا التعدّديّة والتعبير الحرّ عنها. وهذا ربّما كان المعنى الذي قصده بيار الجميّل حين أطلق عبارته المبدعة (والمكروهة جدّاً لأنّها تضع يدها على الجرح): “قوّة لبنان في ضعفه”. أي أنّنا نقوى بالتعدّد فيما نضعف بالقوّة… على ما هي الحال الآن. ومن ظنّ أنّنا أقوياء بفضل قوّة الصواريخ فليدقّق في العلاقات بين الجماعات والطوائف اللبنانيّة.

    إن وثيقة “حزب الله” تحاول أن تمارس رشوة لفظيّة لنا باسم الديموقراطيّة التوافقيّة فيما نحن ممنوعون من إبداء رأينا في السلاح والقوّة اللذين لا نريد.

    حازم صاغية
    NOW Lebanon
    07.12.2009

    Leave a Reply