• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    وثيقة “حزب الله”: “الجِدَّة” في الشكل فقط

    اللهجة الخطابية الهادئة جداً وغير التصعيدية التي استخدمها الأمين العام لـ”حزب الله” في خطابه الذي عرض فيه للوثيقة السياسية للحزب والتي سبق أن أُعلن انها ستحمل الكثير من الجديد، عدا عن “قابليته الحوارية الأكثر انفتاحاً” من المعتاد على أسئلة الصحافيين، هما ما أوحى بهذا “الجديد” أكثر مما استجد في الوثيقة نفسها.

    بداية لا بد من تسجيل الانطباع الذي تتركه الفقرة الاولى من الوثيقة “العالم والهيمنة الغربية والاميركية” (وكما في الفقرة عن علاقته بالقوى الدولية) في الإشارة الى الهيمنة والعولمة والرأسمالية المتوحشة وصراع الهويات والثقافات وما شابه لجهة أن المشاهد يكوّن الانطباع بأنه أمام حزب “ثوري أممي راديكالي” بالمعنى اليساري التقليدي للكلمة وليس بالمعنى الإيراني الاسلامي الذي اعتدنا عبره سماع استخدام لغة مهدوية تشير الى الشياطين والأبالسة… فجاء العرض جيوسياسياً، اقتصادياً وإيديولوجياً.

    ومع هذه المحاولة الجادة في توسيع أفق الحزب إلا أنها ظلت نظرة أحادية منقوصة، إذ نسي الحزب في غمرة انهماكه “الثوري” أن في العالم مناطق أخرى لها دور ووزن لكن من دون صراع بالضرورة. فبدا الأمر معه أن العالم مكوّن من الحزب والعرب القريبين منه، مع حماس وإيران (حصر العالم الاسلامي بها) من جهة والغرب من جهة أخرى، الغرب الذي يقتصر على جزء من اوروبا والولايات المتحدة وباقي العالم انحصر في أميركا الجنوبية. تغيب عن صورة “حزب الله” “الدولية” كل ما ليس له به علاقة مباشرة: باقي اوروبا وخاصة روسيا، وتغيب تركيا والدول الاسلامية الاخرى (ماليزيا، اندونيسيا، باكستان، افغانستان، جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً)، كما تختفي من خريطته اليابان والصين والهند وآسيا كلها، وأفريقيا (أكاد أنساها) غائبة كلياً… اي ان ما لا علاقة به بالحزب مباشرة هو غير موجود ببساطة ولا نقيم وزناً لتحديد دوره في العلاقات او الصراعات الدولية وعلاقتنا بها. وفي هذا تغليب العلاقة الصراعية مع العالم واغفال كل ما له علاقة بالتعاون. تماماً كما في تحميل الغرب المسؤولية الحصرية عن تردي الاوضاع في بلادنا مغفلاً أي إشارة لنوع من نقد ذاتي لدورنا في الوصول الى ما نحن عليه، وفي هذا بناء الحجة على عدم صلاحية اي اصلاح او تقدم اوما شابه من طريق البناء الذاتي أوالجهادي غير العسكري (وسوف ينعكس هذا الموقف على التعامل مع الذات ومع الدولة في الداخل أيضاً كما سنرى) سوى الطريق الذي اختطه الحزب لنفسه: المقاومة المسلحة، والتي تعني هنا ضمنا تحمل الحزب عبئها عن سائر القوى او الطرق او الاساليب الاخرى الممكنة. وفي هذا اصرار على اختزال المشاكل والصراعات التي نعاني منها على جانب واحد والتشريع الحصري للوسيلة الوحيدة التي يتيحها الحزب وما يعنيه، دون أي امكانية اخرى للتفكير الايجابي أو المحايد او ما شابه على غرار ما فعلته اليابان بعد هزيمتها. فاميركا لم تكن “صديقتها” ولكنها اعتبرت عدوها الأول وضعها الداخلي (ما يطلق عليه في الأدبيات الاسلامية الجهاد الأكبر) الذي انكفأت لتحسينه من دون اعلانها الحرب ضد الولايات المتحدة وهي اقدر عليها من العرب ومن ايران. هذا اذا كنا نتحدث عن الوسائل العسكرية المباشرة والنظامية ومن دون “استغلال” وسائط مهما كان نوعها.

    الجانب الاخر اللافت في هذه الوثيقة هو عدم القدرة على تعيين “لمن تتوجه”؟ هل هي للداخل أم للخارج؟ لمحازبي الحزب أم لأخصامهم؟ للعربي والمسلم المؤمن بـ”حزب الله” أم لا؟

    للوهلة الاولى يبدو أنها تتوجه للخارج، لخارج “معجب مسبقاً” بالحزب ولن يسأل أو يتساءل. وبالتالي هناك جهد لإبهاره بالقدرة على التحليل والاحاطة الشموليين. لكن هناك من عدّ ان هذه الوثيقة تُدخل الحزب في النادي السياسي اللبناني. لا بد ان في ذهن هؤلاء السياسة هي بمعناها التقليدي واللبناني ليس إلا، السياسة بمعنى التشاطر وقول الكثير دون قول شيء جديد يذكر. كما قد يتكون هذا الرأي بالاعتماد على ما “توحي” به اللهجة والطواعية الظاهرية أكثر مما جاء، إن في محتوى الوثيقة او في النقاش. طبعاً ما عدا تأكيد الأمين العام على استعداده للتحاور وللتعاون مع الدولة وضمناً عدم الرغبة في استعادة أمثال 7-8 أيار المجيدين. في ما عدا ذلك الحزب هو الحزب وبرنامجه هو برنامجه دون جهد يذكر للمساعدة في بناء الدولة، التي يجب أن تصبح قادرة وعادلة بقدرة قادر، لكي تجعله مستعداً للتخلي عن دوره. ومن يؤّول هذا الكلام ويحمّله الإجحاف، لنسأله حول غياب النقد الذاتي (ربطاً مع لمن تتوجه؟ ومع من تتصارع؟)، إن على مستوى الماكرو أو على مستوى الميكرو الذي عانى “من تهرب” واضح. فهل يمكن أن يغفل خطاب يعرض وثيقة الحزب لعدد من السنوات اللاحقة عن بعض ما يعانيه الحزب وبيئته من، لنقل، “صعوبات”؟ و لنسلم جدلاً بالانتصار الإلهي، ماذا عن ممارسات وظواهر ما بعد هذا الانتصار؟ سواء من فضيحة عز الدين الى مشاكل المخدرات والتعديات وسواها؟ ماذا يريد أن يقول للمتضررين؟ لماذا تضرروا؟ كيف يمكن لحزب يفاخر بالأخلاق “جميعها” ولا يمارس نقداً ذاتياً عندما يسقط قطاع قريب منه، او في معيّته او أي صفة يريدها، أخلاقياً؟ وهل النقد “السري” سوف ينفع، إن في تحسين الممارسات اللاحقة أو في “ضبط” سلوك المتفلتين؟ لا يمكن النقد البناء، لكي يبلغ غايته، سوى أن يكون علنياً وشفافاً وعلى قدر المسؤولية التي يتحملها. ثم ماذا عن المشاكل “الأنومية” أي المتعلقة بالتفكك الاجتماعي على أنواعها التي تعاني منها البيئة اللبنانية بشكل عام بالطبع، لكن بيئته بشكل خاص وتماماً لأنها تستقوي به على الدولة التي لن يترك لها عنان المسؤولية إلا بعد أن تصبح قوية. ماذا سيفهم رجل الشارع من هذا سوى اعتراف بضعف الدولة بالطبع، ونية في الحفاظ على ضعفها. اما الشاب القريب من الحزب فلم يسمع ردعاً واضحاً لممارساته الاعتدائية على قوانين هذه الدولة الضعيفة! ولم يسمعه المواطن اللبناني الآخر لكي يطمئن أيضاً!

    الحزب يطلب مساعدة الدولة له للحفاظ على النظام دون أن يقدم لها المساعدة الضرورية في إلزام تابعيه بالخضوع لها إسوة بالمواطنين العاديين “غير المحميين”. وإلزامهم “المعنوي والأخلاقي” يكون بممارسة النقد الذاتي لهذه الظواهر والتراجع عن مقولة “أشرف” الناس التي رأينا ماذا أنتجت. هذا عدا عن الانتباه لظاهرة التسرب المدرسي التي تصبح أكثر كثافة لأسباب عديدة لها علاقة بالنظام وبالمجتمع ككل، لكنها مشكلة أكثر ما تطال الفئات التي تجد الآن من يؤمن لها بعض الدخل “المتقطع” وغير المنتج على حساب العمل والجهد الحقيقيين. وهنا سوف نلاحظ أن البيئة الجنوبية التي كانت صاعدة طوال مرحلة السبعينات والثمانينات والتسعينات، سوف تبدأ، وهي بدأت فعلاً، بالتراجع والانحدار انطلاقاً من الألفية الثالثة لبعض ما ورد سابقاً ولغيره أيضاً مما لا مجال لعرضه هنا.

    أما موضة إلغاء الطائفية السياسية المستجدة، ولو اني فهمت بين السطور أن طرحها قد يؤدي بنا الى إلغائها تماماً!! فما الجدوى منها من دون الاستعداد الذاتي من المطالب بها لتطبيقها؟ وكيف يمكن لأحزاب طائفية (أمل) أوعقائدية دينية لا تفصل بين المقدس والزمني ولا بين الدين والسياسة ولا تتراجع عن ولاية الفقيه من خارج الحدود الوطنية، كيف لها أن تطالب بإلغاء الطائفية السياسية اذا كانت لا تطبق العلمانية على نفسها أولاً وعلى مجتمعها ثانياً؟ الشجاعة والجدة هي في القيام بالنقد الذاتي للمحازبين من جهة، كما سبق، وللشركاء في الوطن. وهذا لم يظهر، فبدل أن يرد الأمين العام على سؤال صحافي “المستقبل” “بأنه يريد فتح مشكلة” كان الأحرى به أن يجدها مناسبة للاعتذار.

    إنه خطاب هادئ عامة، يتوجه بالماكرو لمشاهد متخيل وخاضع من دون شروط، ولكنه لم يتحرك قيد انملة عن برنامجه، سوى إيحائه بامكانية دور للدولة في حفظ النظام والحرب والسلم، وسرعان ما تراجع عن “وهم هذا الفهم الاخير” بالقول إن إسرائيل هي المعتدية على كل حال.

    حسناً ربما علينا أن نقبل من المستجد “الهدوء الظاهر” في مرحلة أولى، في انتظار الانتقال الى الهدوء الحقيقي، إذا ما سمحت “الظروف الإقليمية” بذلك على كل حال.

    منى فياض
    جريدة النهار
    08.12.2009

    Leave a Reply