• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    التنمية من دون الديموقراطية: أسباب العجز في العالم العربي

    مقدمة

    على الرغم من أن عدداً ضئيلاً من الدول العربية شهد تقدّماً محدوداً في الدمقرطة في سبعينات القرن العشرين، إلا أن العالم العربي فشل في شكل عام في اللحاق بركب البلدان الأخرى، وتخلّف أكثر فأكثر في المرحلة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي وانطلاق حقبة العولمة الحديثة. وفقاً لنظرية التحديث (modernization theory)، الدمقرطة تعقب التنمية الاقتصادية. وبالفعل، في الوقت الذي يمكن أن نلحظ فيه ترابطاً إيجابياً بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة والدمقرطة من جهة أخرى في مناطق عدة في العالم، ليست هذه الحال في شكل عام في المنطقة العربية.

    السؤال الأساسي الذي أودّ معالجته هو الآتي: ما هي الأسباب الرئيسة وراء ما اصطُلِح على تسميته العجز الديموقراطي في العالم العربي؟ سوف أبدأ ببعض الملاحظات عن العلاقة بين الديموقراطية والتنمية، ثم أنتقل إلى القياسات التجريبية للديموقراطية (Empirical measurements) وتحديداً مؤشر Polity IV الذي سأعود إليه لاحقاً، والأسباب الأساسية وراء استمرار الأنظمة غير الديموقراطية في شكل عام في العالم العربي، كما يكشف هذا المؤشر. وأختم بملاحظات موجزة حول الظروف التي تحكم انتقال البلدان العربية نحو ديموقراطية أكثر جوهرية.

    العلاقة بين التنمية والديموقراطية

    لم يتفق الباحثون في مجال التنمية في ما إذا كان هنالك علاقة سببية بين الديموقراطية أو الأوتوقراطية من جهة والتنمية من جهة أخرى. فقد اعتبر بعض الباحثين أن التنمية تقود إلى الديموقراطية (Lipset 1959). وطرح آخرون الفرضية التي تعتبر أن البلدان التي نجحت في تطبيق الدمقرطة حقّقت في معظم السنوات معدلات نمو أعلى من البلدان التي أخفقت في تطبيقها، كما حققت معدلات نمو أعلى من متوسط النمو في البلدان التي لم تحاول تطبيق الدمقرطة. وتوصل آخرون إلى أن الديموقراطيات أفضل أداءً من الأوتوقراطيات في مجالات عدة؛ فعلى سبيل المثال تولّد استقراراً أكبر ويمكن أن تتعامل بطريقة أفضل مع الارتدادات المناوئة التي تؤثّر سلباً في النمو في المدى الطويل (انظرRodrik 1998 ). في المقابل، يشير كتّاب آخرون إلى أنه بإمكان الأتوقراطيات أن تدفع بالتنمية أيضاً، وبالفعل، قد تكون بعض أنماط الأوتوقراطية المعتدلة مرغوباً فيها في حالة بعض البلدان تحقيقاً لهذه الغاية. تساق تجارب كوريا الجنوبية وتايوان وأندونيسيا أمثلة عن أنظمة مركزية صارمة استطاعت أن تدفع بعملية التنمية الداخلية قدماً ولم تتحول إلى ديموقراطيات حقيقية سوى في وقت لاحق. وفي هذا الصدد تشير بعض الأبحاث إلى أن تحول بلد ما من الأوتوقراطية إلى الديموقراطية يصعب التراجع عنه (أي أن احتمال العودة إلى الأوتوقراطية ينخفض كثيراً) بعد أن يكون هذا البلد قد حقق مستويات مرتفعة نسبياً من الدخل الفردي (أنظر Przeworski 2006).

    السؤال، إذا كانت تجارب هذه البلدان قابلة للتكرار بالضرورة في البلدان النامية الأخرى هو سؤال مفتوح. فبعض الباحثين يعتبرون أنه ليست هناك علاقة سببية في الاتجاهين. لكن، كما يقول سين (Sen 2000)، إذا لم يكن هناك اتجاه واضح بين النمو والديموقراطية أو بين النمو والأوتوقراطية، يبقى أن الحجّة المدافعة عن تبنّي الديموقراطية والحرية السياسية قوية جداً نظراً إلى أنهما قيمتان مهمتان في ذاتهما.

    في حالة البلدان العربية، نلاحظ أنه على الرغم من التنمية الاقتصادية والاجتماعية البارزة في العقود التي أعقبت الاستقلال، وبغض النظر عن الإجراءات المحدودة العرَضية من الإنفتاح السياسي الداخلي فإن الديموقراطية الجوهرية لم تتجذر فيها. ربما تتمايز الديموقراطية التوافقية اللبنانية لناحيتَي الحقوق المدنية وحرية التعبير، لكن النظام السياسي في البلاد لم يتقدّم، وظلّت ديموقراطيته مقيّدة بتركيبته المذهبية يرافقها مع الأسف تفاقم السلوك المذهبي.

    يتميز العديد من الدول العربية بخضوعها لمجموعات معينة أو مصالح خاصة “وظيفية”، وقد تمكّنت هذه الأنظمة حتى الآن من إعاقة التحوّل نحو الديموقراطية الحقيقية على الرغم من نمو الطبقة الوسطى. ويشير بعض الباحثين العرب إلى أنه غالباً ما ترافق استيلاء هذه المجموعات على الدولة مع تزايد الفساد والمحاباة اللذين يظهران في شكل خاص خلال عملية خصخصة الشركات والمؤسسات العامة، مع كل ما يترتّب عن ذلك من آثار مشوِّهة على الحوكمة والاقتصاد الوطني.

    القياسات التجريبية للديموقراطية

    غالباً ما تكون الثغرة بين الفهم النظري للديموقراطية وتطبيقها الفعلي واسعة، ولا سيما في البلدان النامية. لكن حتى في أوساط ما يُعرَف بالديموقراطيات الناضجة، هناك اختلافات واضحة في هذا السياق. فعلى سبيل المثال فإن تأثير الشركات الكبرى على العملية الديموقراطية، بما في ذلك السيطرة على الإعلام، أقوى بكثير في بعض البلدان الغربية (مثلاً الولايات المتحدة) منه في بلدان أخرى؛ كما أن درجة العدالة الاجتماعية ونوعية التغطية الاجتماعية (في ما يتعلق بحقوق المواطنين الاجتماعية)، إلى جانب الحريات المدنية والمشاركة السياسية، يمكن أن تتباين إلى حد كبير من بلد إلى آخر. وهذه الاختلافات تجعل بعض هذه البلدان أكثر ديموقراطية من سواها. بعبارة أخرى، إن القياسات التجريبية للديموقراطية التي تحاول قياس سماتها الأساسية مثل التنافس السياسي الحر والمشاركة والحريات المدنية لا تنجح بالضرورة في أن تعكس في شكل كامل الوضع الديموقراطي الحقيقي لأي بلد؛ ولعل هذا ينطبق على البلدان النامية أكثر منه على البلدان المتقدمة. ويمكن أن نعزوه جزئياً إلى الشوائب المنهجية في القياسات، إنما أيضاً إلى القواعد المعتمدة التي لا تقيس بدقة دائماً ممارسات الطبقات الحاكمة و/أو مجموعات المصالح الخاصة المشوهة لجوهر الديموقراطية.

    وبالأهمية نفسها، يتعيّن على أي قياس للديموقراطية أن يقر في شكل كامل بالحق الشامل للمواطنين جميعاً بالمشاركة السياسية كما تعكسها على سبيل المثال الانتخابات النيابية. إن بعض المؤشرات المستعملة ومنها مؤشر Polity IV لا تحتسب مباشرة ما إذا كان حق الاقتراع للنساء في الانتخابات النيابية أو البلدية معمولاً به أم لا. وعليه فإن قياسها للممارسة الديموقراطية في بلد ما وفي فترات لم يكن هذا الحق قد منح بعد يعتبر قياساً يتسم بالخلل. ولكن من جهة أخرى يتمتع مؤشر Polity IV بعدد من الميزات الإيجابية (مثلاً قواعد ترميز واضحة ومفصّلة)، وأياً تكن عيوبه، فإن استعماله الواسع النطاق من جانب الباحثين يجعله مفيداً لإجراء تقويمات مقارَنة تجريبية لوضع الديموقراطية في بلدان ومناطق مختلفة. فضلاً عن ذلك، يبدو أنه ينسجم مع مؤشرات أخرى للديموقراطية لناحية المقارنات عبر المناطق وتطورها الديناميكي على مر الوقت (مثلاً مؤشر “فان هانين” ومؤشر “فريدوم هاوس”)، مما يعزّز صحته على الرغم من أنه لا يرسي بالضرورة موثوقيته الكاملة. في مختلف الأحوال، يمكن استكمال قياسات الديموقراطية ويجب استكمالها بتحقيقات إضافية لكل بلد على حدة، وإذا اقتضى الأمر تعديل تقويمها على هذا الأساس.

    يصنّف مؤشر Polity IV البلدان وفقاً لأربعة قياسات لخصائص النظام: (1) تنافسية التجنيد (الترشح) في السلطة التنفيذية؛ (2) انفتاح التجنيد في السلطة التنفيذية؛ (3) القيود على رئيس السلطة التنفيذية؛ و(4) تنافسية المشاركة السياسية وتنظيمها. وتراوح معدلات المؤشر من ناقص 10 (أوتوقراطي للغاية) إلى زائد 10 (ديموقراطي للغاية).

    صحيح أن تصنيفات مؤشر Polity IV للبلدان العربية ربما لا تعكس بدقة، للأسباب التي أشرت إليها آنفاً، تطوّر وضعها السياسي، لكن في ضوء تقارير عدّة لمنظمات تُعنى بهذا الأمر لم تكن في شكل عام بعيدة جداً عن الحقيقة في تقويم وضع الديموقراطية في العالم العربي. في صورة عامة، يضع المؤشر البلدان العربية، ما عدا لبنان، في مرحلة 1960-2008 في الخانة السلبية أي خانة الأوتوقراطية، علماً أن درجتها قد تختلف من بلد إلى آخر وكذلك من فترة زمنية إلى أخرى. المهم أنه مع استثناء واحد أو استثناءين لم يتجاوز أي بلد عربي في هذه الفترة الخط الذي يسمح بتصنيفهما في خانة الدول الديموقراطية. ولبنان مع ديموقراطيته التوافقية هو استثناء لافت. لكن كما سبق وأشرت، فإن هذه الديموقراطية هي مجرد ديموقراطية جزئية، كونها تستند إلى المذهبية مع عدم مساواة في الحقوق السياسية للمواطنين. من دون الخوض في تفاصيل الأنظمة السياسية العربية، من الطبيعي طرح السؤال الآتي: ما الذي يفسّر استمرار الأنظمة غير الديموقراطية في شكل عام في الأقطار العربية على الرغم من التنمية الاقتصادية اللافتة التي حققتها؟

    تجربة العالم العربي لا تتطابق مع نظرية التحديث

    تشير نظرية التحديث (Lipset 1996 – Barro 1959, 1994) إلى أن مستوى المعيشة هو العنصر الأقوى في تحديد قابلية بلد ما للتحول نحو الديموقراطية. بمعنى أنه كلما ارتفع هذا المستوى نتيجة التقدم الاقتصادي والاجتماعي نمت القوى الضاغطة للتحول الديموقراطي وفرضت مساره. وفي حقيقة الأمر أننا نرى هذا التلازم في العديد من مناطق العالم بغض النظر عما إذا كانت هذه العلاقة سببية أم لا. اللافت كما سبق وذكرنا أن هذا الأمر لا ينطبق على العالم العربي. ففي حين أن معظم البلدان العربية شهدت نمواً اقتصادياً مهماً بين الستينات والعقد الأول من هذا القرن، إنه لأمر محيّر أن هذه المكاسب لم تترافق مع تعزيز كبير للحقوق السياسية، فما بالكم بالدمقرطة الشاملة. تشير هذه الظاهرة إلى أن عوامل غير النمو الاقتصادي قد وجّهت مسار الحوكمة السياسية في العالم العربي واستمرار العجز الديموقراطي فيه.

    تحاول بعض الأبحاث الجديدة تحديد العوامل الكامنة وراء استمرار هذا العجز، ومنها دراسة متكاملة أجراها فريق من الاقتصاديين وعلماء السياسة (أنظرElbadawi and Makdisi, 2010). تستند منهجية البحث إلى نموذج اقتصادي / احصائي عابر للبلدان وموسع لمفهوم الحداثة يشمل إضافة إلى عواملها التقليدية كمستوى دخل الفرد والتعليم عوامل أخرى من تاريخية (الإرث الاستعماري) والاجتماعية (التنوع الإثني/اللغوي) إلى الدين أو المعتقد الإلهي. وفي ما يخص العالم العربي تحديداً يشمل النموذج مؤثرين اثنين في مسيرته المعاصرة يجمع عليهما العديد من الباحثين العرب وهما الثروة النفطية والنزاعات السائدة في المنطقة وفي مقدمها الصراع العربي/ الإسرائيلي.

    وتأسيساً على هذا النموذج أجرى الفريق البحثي دراسات لثماني حالات (دول) عربية بهدف تقييم نتائج النموذج في ما يخص تعثر مسيرة الديموقراطية في كل منها والخوض بالعمق في تفسير أسباب استمرار حالتها التي لا يغيّر من واقعها الأساس انفتاح سياسي محدود بين الحين والآخر.

    أوجز في ما يلي وباختصار كلي نتائج الدراسة:

    يشير النموذج الاقتصادي/الإحصائي إلى أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية وحتى عامل الدين بمفردها أو مجتمعة لا تفسر إستمرار العجز الديموقراطي في العالم العربي، وإن كان بعض هذه العوامل قد يؤثر تأثيراً محدوداً في خفض مستواه. أي أن هذه العوامل لا تشرح لماذا على العموم نجحت الأوتوقراطيات العربية في منع التحول إلى ديموقراطيات حقيقية لا شكلية. وبشكلية أعني أنظمة سياسية تقام فيها أشكال من المؤسسات الديموقراطية لكنها تبقى خاضعة لسيطرة السلطة الحاكمة. اللافت وبعكس ما توصل إليه بعض الكتّاب في الغرب فإنه لا يبدو أن للدين تأثيراً في هذا المجال. وهذا ما يدعو إلى التفريق بين الدين أو المعتقد الإلهي من جهة وإساءة استعماله كأداة سياسية لأغراض محددة من جهة أخرى أكان ذلك من قبل السلطات القائمة أم من قبل مجموعات أصولية متشددة. وفي المقابل، توصل النموذج إلى أن خصائص المنطقة العربية السالفة الذكر أي السيطرة الكبيرة للنفط في اقتصادات المنطقة العربية ومجتمعاتها، واستمرار النزاعات الإقليمية (وفي شكل خاص النزاع العربي/ الإسرائيلي) هما على ما يبدو العاملان الأساسيان اللذان يفسّران العجز الديموقراطي المستمر في المنطقة. يؤكّد التأثير السلبي للثروة النفطية على الديموقراطية (المقايضة بين الرفاه الاقتصادي والحقوق أو المشاركة السياسية) الفرضية الريعية المعروفة. من جهة أخرى، فإن واقع أن الحروب الإقليمية (ولا سيما النزاع العربي الإسرائيلي) إلى جانب النزاعات الأهلية مارست تأثيراً سلبياً على عملية الدمقرطة في المنطقة العربية يعتبر نتيجة متميزة كونها تحدّد اختلاف هذه المنطقة عن باقي المناطق في ما يختصّ بتأثير النزاعات على الديموقراطية. ففيما أفضت النزاعات في نهاية المطاف، ولأسباب مختلفة، إلى عملية دمقرطة لاحقة في مناطق أخرى من العالم، لم تحقّق ذلك في العالم العربي. وذلك أساساً بسبب عدم التوصل إلى حلول عادلة لها.

    تظهر دراسات بعض الدول العربية، عبر التركيز على التفاعل بين الثروة النفطية والديموقراطية، كيف سمحت هذه الثروة للطبقة الحاكمة بأن تقايض الانفتاح السياسي والمشاركة السياسية (مانحةً بذلك شرعية للنظام السياسي القائم) مقابل توفير الرعاية الاجتماعية والتوظيف لأبناء البلاد، ناهيك عن تطوير الأجهزة الأمنية كأداة للحفاظ على واقع الحال. كما يشير بعض هذه الدراسات إلى التأثيرات غير المباشرة للثروة النفطية في المسار السياسي للدول غير النفطية والتي تعتمد على الدول النفطية من أجل المساعدات الرسمية وتدفقات الرساميل ناهيك عن الدعم المالي الخيري لمجموعات معينة من الدول النفطية. وإذا كانت هذه التدفقات تفيد مالياً واقتصادياً البلدان المتلقية لها، فهي في المقابل ليست بالضرورة محصنة عن تأثيرات المناخ السياسي المحافظ للدول النفطية التي قد يكون بعضها قلقاً من الانتشارالمحتمل للديموقراطية الحقيقية في البلدان العربية الأخرى وهو ما يشار إليه بتأثير الجوار. ربما رسّخ التأثير السياسي للثروة النفطية القيود المفروضة أصلاً على العملية الديموقراطية في البلدان غير النفطية، على الرغم من أنه لم يكن ليتمكّن على الأرجح من وقفها بمفرده وفي غياب العراقيل الأخرى. وفي سياق هذه الاعتبارات، يندرج تدخّل القوى الأجنبية في المنطقة على خلفية ثروتها النفطية وبالتأكيد النزاعات الإقليمية التي تسودها. تظهر دراسات الحالات كيف أثّر هذا التدخل سلباً في العملية الديموقراطية في المنطقة.

    والعلاقة بين النزاعات الإقليمية أو المحلية والديموقراطية هي بالأهمية عينها، إن لم يكن أكثر أهمية. تدعم دراسات الحالات في شكل عام، ولو بدرجات مختلفة، الخلاصة التي توصّلت إليها الدراسة الاقتصادية /الاحصائية عبر البلدان، ومفادها أن الحروب الإقليمية، ولا سيما النزاع العربي/ الإسرائيلي، مارست تأثيراً سلبياً على عملية الدمقرطة في المنطقة.

    وذلك بسبب عدم التوصل إلى حل عادل لها، علماً أن درجة التأثير هذا قد تختلف من بلد إلى آخر.

    فضلاً عن ذلك، وفي حالة البلدان التي شهدت حرباً أهلية، مثل السودان ولبنان، لقد ظهر تأثيرها السلبي على نظام الحكم بطرق عدة. فعلى سبيل المثال، شجّعت الحرب الأهلية في السودان الانقلابات العسكرية، في حين أنها ساهمت في لبنان في تعميق الانقسامات المذهبية وأعاقت تالياً الانتقال المحتمل نحو ديموقراطية أكثر تقدّماً. وفي حالة الجزائر (وكذلك مصر التي لم تشهد حرباً أهلية)، استعملت النخب الحاكمة الخلاف القوي على السلطة بينها وبين المعارضة الأصولية الإسلامية لإذكاء الخوف من استيلاء أصولي وشيك على السلطة. وقد تبيّن أن هذه الاستراتيجيا هي أداة فعالة لتعزيز الدعم الخارجي لهذه الأنظمة وكذلك لتقسيم المعارضة الديموقراطية في الداخل. أود الإشارة هنا إلى أنه يمكن ربط الأسباب الأساسية لنمو الأصولية المتطرفة في المنطقة بثلاثة عوامل متفاعِلة: أولها عدم استعداد الطبقات الحاكمة العربية لسلوك طريق الدمقرطة خوفاً من خسارة السيطرة الداخلية والامتيازات؛ وثانيها الدعم الغربي القوي والثابت للموقف الإسرائيلي الرافض للاعتراف بالحقوق الفلسطينية المشروعة؛ و ثالثها الدعم الغربي للأوتوقراطيات العربية انطلاقاً من الاعتقاد بأنه من شأن هذا الدعم أن يحمي المصالح النفطية والإقليمية الأخرى للغرب. أياً تكن احتمالات تسلّم الحركات الأصولية السلطة من طريق عملية انتخابية حرة، لا يمكن أن يشكّل الخوف من هذه الحركات على الإطلاق حجة لترويج استمرار الأنظمة الأوتوقراطية، على الرغم من أن بعض الكتّاب سوّقوا هذه الحجة. بدلاً من ذلك، يتوجب العمل على إقامة تمثيل سياسي أكثر حقيقية وصدقاً مع حقوق مدنية وسياسية أكبر كوسيلة لمواجهة التحديات التي تطرحها الحركات الأصولية المتطرفة.

    أخيراً، حدّدت دراسات الحالات العربية عوامل إضافية خاصة بكل بلد أدّت إلى تعطيل عملية الدمقرطة. ومنها على سبيل المثال لا الحصر السيطرة الكبيرة للقطاع العام وغياب التصنيع واستيعاب النظام لنخب مثقفة، والانقسام الديني، والخوف من المجموعات الإسلامية الأصولية، واستمرار الإرث الاستعماري بعد الاستقلال، والتدخلات المباشرة وغير المباشرة لقوى أجنبية. تساعدنا دراسات هذه الحالات لنفهم أكثر فأكثر أسباب استمرار العجز الديموقراطي – بغض النظر عن التقدّم السياسي المحدود في العقود الخمسة الماضية – في العديد من البلدان العربية. وهي أسباب تضاف إلى التأثيرات السلبية على صعيد المنطقة ككل المنسوبة إلى الثروة النفطية والنزاعات الإقليمية وتكون أكثر أهمية في حالات خاصة.

    السير نحو الأمام: ترسيخ عملية الدمقرطة

    من الواضح أن تسريع عملية الدمقرطة في المنطقة العربية وترسيخها هو عملية معقّدة. إنها مسألة على صعيد المنطقة ككل لكنها تعني أيضاً كل بلد عربي على حدة. لا شك في أن الظروف التي تتيح نجاح التحول إلى ديموقراطية حقيقية (لا شكلية) والمدّة التي تحتاج إليها تختلف من بلد إلى آخر. وإذا تجذّرت عملية الدمقرطة بنجاح في بلد عربي واحد، فعلى الأرجح أن بلداناً عربية أخرى، ولا سيما تلك المجاورة لهذا البلد، سوف تتأثر إيجاباً ابهذ النجاح. لا يسمح المجال بعرض أمثلة عن ترسيخ عملية الدمقرطة في بلدان عربية محدّدة، لكنني أودّ أن أختم ببعض الملاحظات الموجزة حول مسائل على صلة بهذا الموضوع وتعني المنطقة ككل.

    يبدو لي أن هناك على الأقل ثلاثة أمور مترابطة يجب أخذها في الاعتبار: (1) التسوية العادلة للنزاعات الإقليمية، وفي شكل خاص المسألة الفلسطينية؛ (2) تأثير التدخلات الخارجية المناوئة؛ و(3) الإصلاح المؤسسي الذي يجلب معه عقوداً اجتماعية جديدة في البلدان النفطية وغير النفطية على السواء. ثمة تفاعل بين هذه المسائل: فتسوية واحدة منها تساعد على تسوية المسألتين الأخريين. العامل الإضافي الذي يجب أخذه في الاعتبار هو نمو الطبقة الوسطى وتمكينها اللذان يترافقان مع دور أكثر نشاطاً للمنظمات الأهلية المستقلة وترويج ثقافة الديموقراطية.

    يبدو أن تسوية النزاعات الإقليمية ترتدي أهمية مباشرة بالنسبة إلى مسألة الديموقراطية. إن عدم التوصل إلى حلول عادلة للنزاعات الإقليمية القائمة ولا سيما القضية الفلسطينية قد أضر كثيراً بنمو الديموقراطية في المنطقة العربية: وهو كما ذكرت سابقاً أمر مغاير لتجربة مناطق أخرى حيث أفضت النزاعات في نهاية المطاف لحلول مهدت الطريق نحو الإصلاح الديموقراطي. فالنزاعات في المنطقة العربية قد وفّرت حافزاً لنمو الحركات الدينية الأصولية المتطرفة، واستقطبت التدخلات الخارجية المزعزعة للاستقرار، وقلّصت من تحوّل موارد الدول العربية من التنمية الاقتصادية والاجتماعية تعزيزاً للأجهزة الأجهزة العسكرية والأمنية التي ساهمت في دعم الأنظمة الأوتوقراطية.

     قد لا يؤدّي إيجاد تسوية عادلة للمسألة الفلسطينية ونزاعات أخرى في المنطقة، في ذاته، إلى عملية مباشرة للدمقرطة، لكن لا شك في أنه سيخلق بيئة أكثر مؤاتاة لهذه القضية (انظر 2008Platteau, ). فقبل كل شيء، من شأن تسويتها أن تؤدّي على الأرجح إلى انحسار التدخلات الأجنبية المزعزعة للاستقرار. كما أنه من شأنها أن تساهم في تعزيز دور المنظمات الأهلية المستقلة التي تدافع عن الإصلاح السياسي والاقتصادي وتعمل من أجله. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه في معظم الأحيان، إما أخضعت الأنظمة العربية المنظمات الأهلية لسيطرتها وإما موّلت إنشاءها كي تخدم مصالح الدولة. لذا لم تكن المنظمات الأهلية مستقلّة فعلياً، مما يؤثّر سلباً على دورها في تعزيز الخير العام والمطالبة بالإصلاح.

    لا شك في أن الإصلاح السياسي والمؤسسي في الداخل – أي تطوير مؤسسات أكثر انفتاحاً وتمثيلاً وخضوعاً للمساءلة – هو مكوّن أساسي في العملية الديموقراطية. فعلى سبيل المثال، اعتماد قوانين انتخابية تضمن التمثيل العادل، وتعزيز استقلال النظام القضائي، وحماية حقوق الملكية، وتعزيز المساواة بين المواطنين، وتشكيل هيئات تنظيمية لتصحيح إخفاقات السوق، وإنشاء منظمات للضمان الاجتماعي، وإرساء آليات لإدارة النزاعات الاجتماعية هي كلها خطوات ضرورية لإنشاء بنى تحتية مؤسسية في دولة ديموقراطية بكل معنى الكلمة. وفي حالة البلدان الغنية بالنفط، فإن الإصلاح المؤسسي الذي يقود إلى عقود اجتماعية جديدة تجسّد توزيعاً أكثر إنصافاً للثروة النفطية وحرية سياسية أكبر كفيل أيضاً بأن يخدم قضية الديموقراطية.

    في الختام، لا يرتبط نمو طبقة وسطى مستقلة بارتفاع الدخل الفردي ومستوى المعيشة وحسب إنما أيضاً بالانتقال من اقتصادات التي تسيطر عليها الدولة مباشرة إلى اقتصادات السوق، على ان يبقى خاضعاً للتشريعات والسياسسات الهادفة إلى حماية المصلحة العامة. عندما يكون الاقتصاد الوطني خاضعاً في شكل أساسي ومباشر لسيطرة الدولة، غالباً ما تصبح الطبقة الوسطى مدينة بالفضل للحكّام الذين يقدّمون الخدمات في مقابل الولاء لهم. أما مع انحسار الدور الاقتصادي المباشر للدولة، فتصبح الطبقة الوسطى (بما في ذلك المثقّفون ورجال الأعمال والمنظمات الأهلية) أكثر توكيداً لذاتها في مطالباتها بإصلاح سياسي أكبر. تجدر الإشارة إلى أن العديد من المنظمات الأهلية المدافعة عن الإصلاح، إلى جانب عدد كبير من المثقّفين العرب، تحدّت الأنظمة السلطوية السائدة عبر الدعوة إلى إصلاحات ديموقراطية حقيقية (مثلاً انظر بشارة، 2007 ومركز دراسات الوحدة العربية، 2007). لكن علينا التنبه إلى مصدر قلق أساسي في هذا السياق أشار إليه بعض الباحثين العرب ويتمثّل في أن التحوّل الاقتصادي من القطاع العام إلى القطاع الخاص قد يؤدّي ببساطة إلى ما اصطُلِح على تسميته “خصخصة” الدولة في ذاتها – بحيث تصبح منافع هذه الخصخصة إلى حد كبير حكراً على الطبقات الحاكمة وحلفائها في الأحزاب “السياسية” الحاكمة، وهي ظاهرة موجودة فعلاً في عدد من البلدان العربية.

     في هذا السياق، سوف يخلق صعود طبقة وسطى مستقلة بيئة أكثر مؤاتاة من أجل انتشار ديموقراطية فعلية. لكن في حين أن اهتمام طبقة رجال الأعمال بالدمقرطة تحفّزه إلى حد كبير المصلحة الذاتية الاقتصادية، فإن دور المثقّفين العرب والجامعات والمنظمات العربية المؤيّدة للإصلاح أساسي لتعزيز الهدف الأسمى للدمقرطة المتمثّل في الحوكمة الرشيدة. ويرتبط هذا ارتباطاً وثيقاً بنجاحهم في تشجيع تزاوج، على المستوى المؤسسي، بين المبادئ الكونية للديموقراطية (ثقافة الديموقراطية) والظروف الاجتماعية الخاصة بالمنطقة وبكل بلد على حدة.

    سمير المقدسي
    جريدة النهار
    07.12.2009

    Leave a Reply