• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الطوائف الفاسدة والمفسِدة

    قال السيّد المسيح: “أنتم ملح الأرض، فإن فسد الملح…

    فهل قصد اللبنانيين بقوله هذا؟ أولئك الذين أغنوا بلادًا كثيرة علمًا وفكرًا وخدمات طبية وتعليمية وإنسانية جلّى، فملّحوها وطيّبوا العيش فيها. فكيف يسمحون للفساد في وطنهم بأن يتغلغل، ليس فقط في أفراد منهم، بل في نسيج المجتمع ومكوّناته الأساسية؟

    أليست العدالة وما تحتّمه من عقاب أساسًا لكلّ مجتمع وأهم عناصر الانتقال من حال التوحّش إلى حال التعايش الحضاري المنظّم؟ فكيف وجدنا أنفسنا في وضعية تدافع فيها كلّ طائفة عن المارقين فيها فيغدو المعترف بالعمالة “أشرف الناس” ويصبح المتلبّس أو واضع اليد على أبنية الدولة ومؤسساتها خطًا أحمر دونه الشرفاء من طائفته؟ مهما بات تمسّكنا بالطوائف قويًّا فبوسعنا بدل المطالبة بالتغاضي عن مجرمي طوائفنا المطالبة بأن يعاقب معهم من يستحقون العقاب قانوناً من الطوائف الأخرى. فيا حبذا لو تسوّق لعبة “مطاردة المجرمين والمختلسين، من الطوائف الأخرى” دون تغطية مخزية للمارقين والخونة، من طوائف صدف أننا ولدنا فيها، بدل “لعبة” ضرب عرض الحائط بالعدالة والقانون، اللذين لا طائفة تدافع عنهما، ذودًا، لا عن طوائفنا، بل عن المجرمين المنتمين اليها. فاللعبة الأولى، رغم خطورتها، (خاصة بعدما رأينا في الأسبوع الفائت ما يمكن أن يجرّ اليه اللّعب، حتى الرياضي منه، من عداوات وتباعد) تترك لنا مجالاً للبقاء وتكثر من المحاسبة، فتردع عن التجاوز. أما اللعبة التي بتنا اخيراً نلعبها كثيرًا، فهي لعبة تقويض أهم دعائم بقاء البلد واستمرارية العيش الحضاري فيه. وطبعًا من الأفضل الابتعاد عن كلتا اللعبتين والوقوف إلى جانب العدالة والقانون ودعم المولجين بهما ورفض وضع أي كان فوقهما أو خارج نطاق سلطتهما مثلما يفعل مواطنو البلاد التي رسخت فيها تقاليد الحضارة وواجبات المواطنة وبديهيات التخطيط السليم وبعد النظر الدارىء للخطر والموصل إلى السلامة.

    ومن الملاحظ في هذا السياق أنه حتى منافسة الانتماء العائلي للمواطنة تبدو أقلّ ضررًا وشراسة من منافسة الطوائف لها. فكثيرًا ما نجد عائلات تعلن عن تبرّئها من المجرمين من أبنائها مطالبة العدالة بأن تأخذ مجراها، بل أن تشدّد لهم العقاب، بينما لم نرَ أياً من الطوائف تفعل ما تفعله هذه العائلات. فهي إمّا خائفة من ذوي اليد الطولى من المسيئين منها وإمّا متماهية معهم أو متفانية في الدفاع عنهم، بغض النظر عمّا جنته أيديهم. وكأن الانتماء الطائفي الواحد يتعدّى حدود الحق والمصلحة الوطنية ومتطلّبات العيش
    المتحضّر وحتى حدود الدين الذي تدين الطوائف به!

    والوجه الثاني من هذا الفساد الباهر الذي تحقنه الطائفية في عروق بلدنا هو تأثيره في أعمال القضاء وسلطات حفظ الأمن. فكيف تقوم العدالة ونحن خائفون على شعور كلّ طائفة وكلّ منّا ينتمي إلى إحداها، فلا تقال كلمة أو توجّه تهمة إلاّ إلى الخارج، خارج الطوائف وخارج المسؤولية الوطنية اللبنانية. من هنا غدت الحرب الأهلية حرب الآخرين علينا ولم يحاسب أحد من مجرميها، ومن هنا كلّما تمادى التطاول على القانون والحق كيلت التهم إلى خارج الحدود أو خارج المواطنة، حيث الطوائف لا تحمي من الاتّهام، حتى لو كان عشوائيًا.

    أما رجال الشرطة والأمن المغلوبون على أمرهم، فكيف ينجّم واحدهم ليعلم أن من يحرّر مخالفة في حقّه أو يوقفه عن متابعة سيره في عكس الاتّجاه المسموح به هو غير مدعوم؟ كل واحد منّا رأى في الطريق مناظر محبطة من معاندة المتجاوز أو المتجاوزة لرجل الأمن وإهانته لينتهي المشهد بتلفون “من فوق” يأمر من يقوم بوظيفته أن يترك المتجاوز أو المتجاوزة لشأنه/ ها. ومنذ أسابيع قليلة حاول أحد رجال الجمرك أن يطبّق القانون بطلب تعرفة جمركية من إحدى “عظام القوم” فكان نصيبه صفعة على الوجه، لم يدفع ثمنها أحد إلا الموظف، ومن ماء الوجه! هذا السياق لا يوصل إلاّ إلى الهاوية. فهل يقوم مجتمع ويستمر إلاّ في ظلّ القانون وحمايته؟

    بتنا في لبنان نعتمد على إنسانية الناس وحسن تربيتهم، وهما والشهادة للّه لافتان. فالناس من طوائف مختلفة كانت خلال الحرب الأهلية تتقاسم الخبز والبنزين وتوزّع ما يحصل واحدهم عليه من فاكهة على أطفال الجيران. والناس من طوائف مختلفة آزروا وحموا المتضررين خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 ورسموا لوحة مشرّفة من الإنسانية والوطنية، قلّ شبيهها. والشباب والشابات من طوائف مختلفة أحبوا بعضهم وتزوجوا وأسسوا عائلات لعلّها الأبعد عن يد الفساد الطولى، رغم عوائق القوانين المصطنعة المفصّلة على قياس المستفيدين من كلّ هذا التعقيد للأمور وكلّ هذه السربلة التي لا تفيد إلاّ القيمين عليها.

    لعلّ إنسانية من يملّح بهم الأرض من اللبنانيين وحسن طينتهم هما ما درأ حتى الآن انزلاق مجتمعنا التام نحو هاوية الفوضى أو أخّر هذا الانزلاق. فهل نبقى تحت رحمة هذه الروليت الروسية التي لا ندري متى تصيبنا الإصابة القاتلة، أم نتدارك الوضع بمؤازرة القانون بدل عبادة أسوأ ما في الطوائف؟

    ومن لا يرى أن الطوائف في هذا السياق هي عدو للدين كما لأوّل شروط العقود الاجتماعية التي يقوم عليها التعايش الحضاري هو مكابر ومكذّب على نفسه أو مستفيد ممّا يعرّض بلده له من خطر. وأي خطر هو أكبر من الوقوع في هاوية الفوضى والعدائية المتوحشة؟ فالفوضى تقوّض الحضارة وتطلق الغرائز وتلجم التعقّل وتعطّل مفاعيل الثواب والعقاب. وفي غياب العدالة وأدواتها تغيب الموضوعية ويصبح التقويم مزاجيًا وتستقرّ القيم على أكف العفاريت.

    براهين كثيرة من الواقع تنبىء أن مواطني لبنان والكثير من عائلاته وأسره هم بمثابة الملح العالي الجودة، أما طوائفه المتسلّطة فتبدو في الغالب فاسدة ومفسدة. فهل نتدارك تفشي الفساد قبل أن يفسد ملحنا؟ هل من بطل أم أبطال يقتلون الغول قبل أن يبتلع كل ما هو خيّر فينا، وقبل أن يقضي على كلّ مؤسسة تبث الطمأنينة أو تيسّر مواكبة التطوّر الحضاري أو تحمي من الوقوع في هوّة شريعة الغاب السحيقة التي لا قرار لها؟

    نجلاء حمادة
    جريدة النهار
    30.11.2009

    Leave a Reply