• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أحزاب وطنية وزواج مدني ومناهج تربوية لدولة علمانية

    ترى أوساط سياسية ان المطالبة بتشكيل الهيئة الوطنية للبحث في الغاء الطائفية تنفيذا لما نص عليه اتفاق الطائف، لا تستوجب اثارة كل هذا الضجيج وكأن “عملية الإلغاء ستتم غدا، مع ان عقبات كثيرة تواجه ذلك”. فقد سبق للرئيس نبيه بري ان دعا الى تشكيل هذه الهيئة خلال عهد الرئيس الياس الهراوي ولم تستجب دعوته من مرجعيات دينية وسياسية على رغم ان الشعور الوطني يومذاك كان افضل بكثير مما هو عليه اليوم امام تنامي الشعور المذهبي والطائفي بحيث بات لكل مذهب او طائفة حزب يعيش على المذهبية او حزب مسلح اقوى من الدولة، وهو ما ينبغي معالجته قبل اي شيء آخر كي تنطلق الدعوة الى الغاء الطائفية من موقعها الصحيح.

    ولو كان موضوع الغاء الطائفية سهلا لما تأخر البحث فيه ما يقارب الستين سنة، لان هذا الالغاء يمر بمراحل عدة، تبدأ بالاتفاق اولا على تشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. وتشكيل هذه الهيئة قد لا يكون بالامر السهل خصوصا في الظروف الراهنة التي تنقسم فيها البلاد بين خطين سياسيين متعارضين محليا وعربيا واقليميا ودوليا، اذ ان الخلاف قد يظهر في بادئ الامر حول تسمية الشخصيات السياسية والفكرية والاجتماعية في الهيئة، وقد يبرز في ما بعد خلاف آخر حول وضع نظام يحدد طريقة التصويت على الاقتراحات لدى طرحها على الهيئة اذا تعذر التوافق، وهل تتم الموافقة عليها بأكثرية الحضور ام بأكثرية ثلثي العدد الذي تتألف منه الهيئة ام بالنصف زائدا واحدا، ووضع هذا النظام بالاتفاق والتوافق قد يحتاج ايضا الى وقت.

    الا ان اكثر ما تواجهه مهمة الهيئة ويثير خلافات قد يصعب التوصل الى تسويتها، خصوصا اذا ما استمرت الانقسامات السياسية والحزبية والطائفية في البلاد كما هي حاليا، هي عند التقدم بدراسات واقتراحات تتناول الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية تمهيدا لعرضها على مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية التي تؤدي الى الغاء الطائفية السياسية الغاءً كاملاً كي يصير في الامكان انتخاب اول مجلس نواب على اساس وطني لا طائفي يسمح انتخابه بإحداث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية (المادة 22 د.). وقد تكون عبارة “القضايا المصيرية” كافية لاثارة خلاف جديد حول تحديد هذه القضايا. وهذا يدل على ان موضوع الغاء الطائفية السياسية لو لم يكن موضوعا شائكا لما كان الدستور دعا الى وضع خطة مرحلية حاذرت العهود المتعاقبة الاقتراب من البحث فيها، ولم يتم التوصل حتى الى تشكيل الهيئة الوطنية كخطوة اولى للانطلاق نحو تنفيذ كل المراحل الآيلة الى الغاء الطائفية من النفوس اولا قبل النصوص.

    والغاء الطائفية من النفوس قبل النصوص كما دعا البطريرك صفير يحتاج الى توافق على خطة مرحلية تتناول امورا كثيرا منها:

    اولا: اعادة النظر في المناهج التعليمية وتطويرها بما يعزز الانتماء والانصهار الوطنيين والانفتاح الروحي والثقافي وتوحيد الكتاب في مادتي التاريخ والتربية الوطنية، لان التنشئة الوطنية تبدأ في المدرسة وفي المنزل لإعداد مجتمع يدين بالولاء للوطن وليس لاي وطن آخر، ويتقدم شعوره الوطني اي شعور آخر، كي يصير في الامكان اقامة الدولة المدنية التي تحتل فيها الكفاية والجدارة المناصب والوظائف بعيدا من اي انتماء سياسي او حزبي او مذهبي، وليس كما هي الحال اليوم حيث لا تنشئة وطنية بل مذهبية، ولا كتاب تاريخ وتربية موحدا بل تاريخ يغذي مشاعر كل طالب حسب مذهبه وبيئته وتنشئته ايضا على التعصب السياسي والحزبي والديني الذي يقوّض اسس العيش المشترك ويحول دون تحقيق الانصهار الوطني، وان يعاد تنظيم وسائل الاعلام بما يخدم التوجهات الوفاقية.

    ثانيا: ان يعاد تنظيم الاحزاب على اسس وطنية، لا مذهبية ولا طائفية كما هي اليوم بحيث لا يرخص لاي حزب ما لم يكن يتألف من كل المذاهب ولاسيما في قيادته، كما كانت احزاب الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية في الماضي، وكما هي الى حد ما احزاب التقدمي الاشتراكي والقومي السوري الاجتماعي والشيوعي والبعث العربي الاشتراكي… ومع قيام مثل هذه الاحزاب يصير في الامكان اجراء انتخابات نيابية وانبثاق مجلس نواب خارج القيد الطائفي، ولا يعود تشكيل الحكومات يخضع لحصص هذه الطائفة او تلك حتى اذا ما نقصت حصتها رفضت المشاركة لتصبح الحكومة عندئذ غير ميثاقية وغير شرعية، كما هو حاصل حاليا.

    ثالثا: الا يكون سلاح خارج الدولة لئلا يعرض الاستقرار العام للخطر ويجعل حبل الامن مضطربا او يحول دون بسط سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية، وان يكون سلاح الدولة وحده مسؤولا عن حماية النظام والذود عن حياض الوطن، وهو ما نص عليه دستور الطائف ولم ينفذ تنفيذا دقيقا كاملا لاسيما في ما يتعلق بحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة، اذ ظلت الاسلحة داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها والفارون من وجه العدالة يلجأون اليها ويحتمون بها، بحيث تعذر في ظل هذا الوضع الشاذ اقامة الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، فلا يبقى وجود لسلاح غير سلاحها، ولا لسلطة غير سلطتها، ولا لقانون غير قانونها، ولا تبقى اي منطقة محظوراً على الدولة دخولها كما هي الحال اليوم بوجود سلاح من مختلف الانواع والاحجام خارج الشرعية، خصوصا عندما يكون هذا السلاح مع فئة من دون اخرى، الامر الذي يخل بالتوازن الداخلي ويجعل طائفة تخاف من طائفة او مذهب يخاف من مذهب وهي حالة لا يمكن ان تبنى فيها دولة ولا وطن.

    رابعا: ان الغاء الطائفية بمرسوم قبل ان تلغى من النفوس وفقا لخطة مرحلية يصير التوافق عليها في الهيئة الوطنية ومن ثم في مجلسي الوزراء والنواب، هو طائفية جديدة تحكم فيها الطائفة الكبرى الطوائف الصغرى، وانه لا بد تمهيدا لإلغاء الطائفية من اعتماد قانون الزواج المدني الاختياري الذي اصر عليه الرئيس الهراوي ولم ير النور لخلاف بين اهل الحكم.

    ان بند الغاء الطائفية السياسية في دستور الطائف، تعذر تنفيذه حتى الآن نظرا الى هذه الاسباب وغيرها التي حالت دون قيام الدولة القوية ودون ابقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراعات، وعدم تحييده عنها بصيغة من الصيغ جعله مركزا لحوار الحضارات والاديان والثقافات، كما تعذر الاتفاق على تطبيق اللامركزية الادارية لانها تأخذ بعض الصلاحيات من الادارة المركزية وتوسع صلاحيات المحافظين والقائمقامين وتقضي بانتخاب مجلس لكل قضاء يرئسه القائمقام تأمينا للمشاركة المحلية. وقد تعذر إحداث مجلس للشيوخ لان ذلك مرتبط بانتخاب مجلس نواب على اساس وطني، وانتخاب هذا المجلس مرتبط بالغاء الطائفية السياسية.

    والسؤال المطروح: هل ينجح العهد الحالي حيث فشلت العهود السابقة في تنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف، ام ان تنفيذه كاملا يحتاج الى عهود اخرى؟

    إميل خوري
    جريدة النهار
    27.11.2009

    Leave a Reply