• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ملح الأرض والبشر

    إذا فسُد الملح فبماذا يملَّح، واذا فَسدَ القضاء فمن ذا الذي سيشهر سيف العدالة في وجوه الذين يعيثون في الأرض فساداً؟

    أما اذا فَسدَ القاضي فلمَنْ يُخلى القوس، ولمن ينتصب الميزان؟

    بل إلى مَنْ يحتكم الضعفاء، والفقراء، والمساكين، والمقهورين، والمعتدى على حقوقهم وأملاكهم وأرزاقهم وقوتهم، والذين لا “ظهر” يقيهم غدرات النافذين ولا أصحاب سطوة وحظوة يستجيرون بهم إذا ما أصابهم جَوْر وظلم؟

    لا شيء كالعدل يفرض المهابة والأمن، ويضع الامور في نصابها. فيغرّم المفتري وتُنصف الضحية.

    الحكم ملح الارض، يقولون، والعدل ملح المجتمعات والسياسة عندما تمدُّ يدها الى حيث يجلس القانون وكلاهما يحتاج دوماً الى الأفذاذ والمستقيمين والمعصومين وذوي الشهامة والاباء، حتى اذا ما صدر حكم عن قاضِ قال الناس لقد نطق القاضي بالحق.

    ولا مزيد من الكلام عند حدود هذه الطمأنينة.

    حتى إن نابوليون بونابرت الذي انتشرت رهبته وهيبته وجسارته في ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وجد نفسه ذات يوم محرجاً يعلن أمام أركانه وكبار ضباطه انه لا يخاف مدفعاً مصوّباً إلى صدره، بقدر خوفه من المثول أمام قاضي التحقيق.

    العدل والقضاء وتلك الأقواس، وتلك القاعات التي يخيّم الصمت داخلها حتى لتكاد تعتقد ان صوت القاضي الهادىء على وقار ومهابة، إنما يصدر من مكان ما داخل القاعة أو خارجها، وان هذا الجالس الى القوس ويده الى مطرقته هو القدر الذي يلفظ الأحكام.

    فمنذ ان يصرخ المباشر بصوت مدوِ “هيئة المحكمة” يسود صمت غريب الإيقاع، يصحبه ذلك الخفقان الذي يضج في القلوب والصدور.

    ذلك كله ليس من بنات الأفكار. وليس من ابداع كليلة ودمنة، بل من الخصائص والانجازات التي ميّزت لبنان في عصر النهضة، يوم كان القضاء اللبناني مضرب مَثَل وقدوة تحتذى في المنطقة وعَبْر البحار، وعلى امتداد عقود من الازدهار… وقبل أن تحط أسراب الجراد في هذه البساتين والحدائق الغناء. وقبل أن ينخر سوس الفوضى والفساد والتسيّب والانحطاط كل المؤسَّسات والادارات والمجالات، الى ان حط رحاله في حمى قصر العدل.

    حسناً فعل الوزير ابرهيم نجار الذي يتمتَّع بأهلية وجدارة وسيرة تتيح له ان يطرق هذا الباب، وان يقتحم هذا التابو، وأن يفتح هذا الملف الذي يلفّ بين جنباته حفنة من الذين لطخوا سمعة القضاء، واساؤوا الى السلطة الثالثة بكل ما ومَنْ يضم قصرها الذي قيل يوماً إنه هو أيضاً يشبه امرأة قيصر، وفوق كل الشبهات.

    الى ان انزلقت الأرض، وانزلقت المؤسّسات، وانزلق النظام، وانزلق القانون ورجاله وقصره وقوسه، مثلما انزلقت في الوقت عينه الأخلاق والقيم وبعض الضمائر.

    وزير العدل يطمئننا الى ان هذا القرار هو أول الغيث في ورشة.

    والناس يقولون للوزير إن الاصلاح لا يكتمل وتؤتى ثماره إلا متى وضعت حدود ونهايات للتدخّل السياسي والطوائفي في صميم التكوين القضائي وهيكليته وهيكله.

    ولا شيء يمنع أن يُحال المتدخّلون في القضاء على الهيئات والمجالس المختصة، من قبيل التشهير على الأقل.

    ولنتمثّل بالقضاء الفرنسي، حيث يمثل أمام المحاكم هذه الأيام رؤساء جمهورية وحكومات ووزراء.

    زيان
    جريدة النهار
    25.11.2009

    Leave a Reply