• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    حول “عودة” الدولة اللبنانية الى الضاحية

    شكّلت دعوة الجهة المسيطرة على مناطق الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت لاجهزة الامن الرسمية، للدخول وتطبيق خطة أمنية لضبط التجاوزات هناك، مناسبة ليستبشر البعض، ومعظمهم من ابناء المنطقة، بمرحلة جيّدة تقوم على عودة شيء من سلطة القانون الى جزء من محيط العاصمة يتكدس فيه ما يربو على المئتي ألف مواطن عاشوا في الاعوام الأخيرة غياباً تاماً للدولة ومؤسساتها ولاسيما منها الأمنية، في ظل انفلاش للسلاح الميليشيوي و”العصاباتي” الخاص لم تشهد المنطقة له مثيلاً منذ أيام الحرب اللبنانية بين 1975 و1990.

    ولعلّ في دعوة “حزب الله” الدولة الى ان تعود الى المنطقة شيئاً من الاعتراف بالعجز عن التحكّم في الحياة اليومية للمواطنين أكثر مما حصل. فالمؤشرات التي أوصلت قيادة الحزب وفي مقدمهما الأمين العام السيد حسن نصرالله الى اتخاذ قرار يمثل مجرد اتخاذه ولو شكلا اقراراً بفشل معين. وقد كانت مقلقة للغاية ظاهرة تفشي السلاح بيد المنتظمين في القوتين الحزبيتين الاساسيتين وفي يد غير المنتظمين، الى ظاهرة تفشي الجريمة المنظمة بوجوهها كلها، من المخدرات الى السرقات، فترويج العملات وبطاقات الائتمان المزورة، وغيرها من وجوه الجريمة وأدت مع تمركزها في رقعة جغرافية محدّدة تعيش فيها شريحة محدّدة الى خلق نمط حياة لا يحتمل. فقد غاب القانون ليحتمي كثيرون بقوة السلاح الفردي، وسطوة العلاقات العشائرية المنظمة، هيبة القوة المهيمنة لمن وجد سبيلا اليها. وفي النهاية تمكنت منظومة العلاقات من خارج الدولة من تجاوز الحدود التي رسمت لها.

    ففي مرحلة سابقة استفاد “حزب الله” من غياب الدولة للحلول مكانها، ولم يقم بخطوة واحدة من أجل تقوية وجودها. حتى الاحكام الشرعية والفتاوى المتنوعة حلت مكان سلطة النص القانوني اللبناني في العديد من وجوه الحياة في المنطقة. ولا ننسى ظاهرة الاثراء السريع غير المنطقي للعديد من قيادات الحزب والتي ذكرت أهل المنطقة بظاهرة الاثراء السريع التي أصابت “الحركيين” في مرحلة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وأتت فضيحة رجل الاعمال صلاح عز الدين لتفاقم الأمور فتضع القوة المهيمنة على مقدرات الناس جنوباً وبقاعاً وضاحية أمام استحقاق صعب يتعلق بقوت الناس وألقت بظلال كثيفة على سمعة الحزب الذي مثل قادة كبار منه غطاءً معنوياً لاعمال صلاح عز الدين.

    لا تهدف هذه المقدمة الى نكء الجرح، بل على العكس تماماً، اذ ترمي الى إلقاء اضواء كاشفة على حياة شريحة لبنانية اساسية تعاني من غياب سلطة القانون ومؤسسات الدولة، وهي جزء من صورة اقلقت الجهة المتحكمة بالضاحية الجنوبية وجعلتها تقف أمام خيارين حاسمين: إما النزول الى الارض والحلول مكان الدولة والقانون بشكل كامل بما يضع الحزب امام استحقاق ادارة حياة الناس بتفاصيلها، بما يغرقه في وحول الفصل بين المواطنين، وإما ترك فسحة امام الدولة ومؤسساتها الامنية للدخول وتحمل مسؤولية ادارة حياة الناس في التفاصيل بما لا يؤثر في السياق السياسي العام. وحسناً فعل “حزب الله” باتخاذ الخيار الثاني مع محدودية آفاقه لجهة تقوية مشروع الدولة عموماً.

    فالمشكلة ما عادت في مجرد غياب الدولة والقانون عن مناطق نفوذ “حزب الله” بل في غياب هيبة المؤسسات الامنية والعسكرية الشرعية بعدما ضُربت في أحداث مار مخايل مطلع 2008، ثم في 7 ايار حيث وقف الجيش والقوى الأمنية متفرجين امام انتشار آلاف المسلحين في شوارع بيروت واحتلالهم لاحيائها، ولاحقاً مع قصف القرى والبلدات في الجبل والبقاع الاوسط. وحتى الامس القريب في ليل 29 حزيران 2009، وبعد ايام من تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، انتشر مئات المسلحين أتوا من الضاحية الجنوبية وبعض احياء بيروت الاخرى، في مناطق الاختلاط السكاني في الظريف والزيدانية ومحيط دار الفتوى وفردان ولم يتدخل الجيش إلا بعد انتهاء الاشكال.

    من هنا فإن الخطوة الاساسية لحل ازمة العيش في مناطق نفوذ “حزب الله” لا تكمن في السماح بدخول دوريات الامن الداخلي والجيش، بمقدار ما ترتكز على استعادة المؤسسات الامنية هيبتها المفقودة، وبوضع القوة المسلحة المهيمنة هناك حداً وظيفياً فاصلاً بين السلاح المفترض انه موجه صوب اسرائيل، وذلك السلاح الذي انتشر ولايزال في شوارع المدن وازقتها ويمثل تهديداً مباشراً لأمن كل لبنانية ولبناني بدءاً بسكان المناطق التي تعود اليها الدولة هذه الايام. والمطلوب التحقق من ألاّ يكون الجيش متفرجاً، وألا تكون قوى الامن من جهتها عبارة عن امانة لتسجيل المخالفات!

    خلاصة القول، ان جميع القوى المسلحة التي مرّت بلبنان اكتشفت حدود قدراتها في التحكم بحياة الناس. اما دعوة الدولة للدخول بحدود معينة الى “جزيرة امنية”، فنأمل ألا تنطلق من قاعدة سيئة تقول: ان “حزب الله” للسياسات الكبرى، اما الدولة اللبنانية فللسياسات الصغرى فقط!

    علي حماده
    جريدة النهار
    19.11.2009

    Leave a Reply