• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    هذا نظام وليس طارئاً

    آن فرانك لا علاقة لها بالصهيونيّة واغتصاب فلسطين والنزاع العربيّ – الإسرائيليّ. الصبيّة الألمانيّة ماتت في مخيّمات الموت النازيّة، بعد أشهر من التخفّي، لأسباب لا صلة لها بالصراع على فلسطين. عائلتها الألمانيّة اليهوديّة كانت قد فرّت من بلدها بعد وصول هتلر إلى السلطة في 1933، وانتقلت إلى هولندا. لكنّ النازيّين وصلوا أيضاً إلى ذاك البلد فلم يبق لابنة الخامسة عشرة سوى العليّة في بيت أهلها بأمستردام. هناك اختبأت وكتبت يوميّاتها عن شؤون حياتها الصغيرة واليوميّة وسط رعب ساطع.

    قصّة آن فرانك ويوميّاتها تحوّلت، أقلّه في أوروبا، عنواناً من عناوين الألم الإنسانيّ، وشاهداً على البطش الوحشيّ إذ يستهدف البراءة. بعض البلدان علّمت الكتاب من أجل أن تعلّم ناشئتها معنى التسامح، وتحمل على نبذ العنف والحقد. لكنّ لغات العالم كلّها ترجمت الكتاب إلاّ اللغة العربيّة. لماذا؟ لأنّ هذا موقف تطبيعيّ!.

    الفصل الأخير من هذا الموقف شهدناه في بيروت: قناة «المنار» التابعة لـ «حزب الله» تشنّ حملة ضارية سببها أنّ إحدى المدارس الخاصّة تدرج فصلاً من «اليوميّات…» في كتاب تستخدمه لتعليم الإنكليزيّة. فهذا ترويج للتطبيع باسم «قصّة مزعومة» هي المحرقة، حسب رأي أحمدي نجاد، و «ضحيّة مزعومة» هي آن فرانك.

    وذلك لا يعدو كونه عيّنة على كيفيّة استخدام التطبيع ومعاداته سدّاً في وجه العالم وقيمه التقدّميّة والإنسانيّة. فنحن لدينا تاريخ غير التاريخ، ولدينا مفاهيم عن العالم غير المفاهيم، فيما لغتنا تنضح بمعان لا تحملها اللغات الأخرى، والعكس بالعكس.

    لكنّ هذا الذي يجري ليس زائدة على المقاومة، غريبة عنها. إنّها، هي هي، المقاومة ونظام وعيها المرصوص والمغلق الذي قد يصير نظاماً سياسيّاً أيضاً. والمرجع الذي يستند إليه هذا السلوك لا يكتم طبيعته هذه.

    فإيران، رأس المقاومات، كانت أتحفتنا، في محاكمات الإصلاحيّين، بشيء من هذين التنوّر والتنوير: سعيد حجاريان، وهو عالم سياسة وأحد قادة حركة الإصلاح، شنّ، في «اعترافاته» المفبركة، حملة على عالم الاجتماع الألمانيّ ماكس فيبر وأفكاره عن السلطة العقلانيّة واتّهمها بالتحريض على الانتفاضة. قال حجاريان: «نظريّات العلوم الإنسانيّة تتضمّن أسلحة إيديولوجيّة يمكن تحويلها استراتيجيّاتٍ وتكتيكات توجّه إلى الإيديولوجيا الرسميّة للدولة». وقد استنتج أنّ تلك الأفكار لا تصلح إلاّ في بلدان لا يتمتّع المواطنون فيها بحقوقهم. وإيران لا تندرج في الخانة هذه!

    والمعروف أن ثورة الخمينيّ كانت منذ بداياتها قد أغلقت الجامعات وطهّرتها من الأساتذة الذين طعنت بإسلاميّتهم. ولم يتردّد آية الله الذي صار المرشد الأوّل في اعتبار أنّ «طلاّبنا الجامعيّين ملوّثون بالغرب»، مشكّلاً لجنة لـ «الثورة الثقافيّة»، مهمّتها وضع برنامج إسلاميّ يُعمل به مع إعادة فتح الجامعات، وهو ما حصل فعلاً بعد أربع سنوات على غلقها.

    بيد أنّ ماكس فيبر لم يكن الوحيد الذي طاولته شفرة النظام. فقد انضمّ إليه، في تلك المحاكمات الأخيرة، كلّ من تالكوت بارسونز وجون كين وريتشارد رورتي ويورغن هابرماس وعدد من النسويّات ورموز في الدراسات «ما بعد الكولونياليّة». فهؤلاء «يهدّدون الأمن القوميّ ويهزّون أعمدة التنمية الاقتصاديّة». ومن بينهم حظي الألمانيّ هابرماس بتركيز ملحوظ: فهو صاحب الاسم الأكثر ارتباطاً بـ «الفضاء العامّ» الذي كلّما ضاق اشتدّت قبضة الاستبداد الذي تمارسه الدولة. هكذا لم يتعفّف المدّعي الإيرانيّ عن التذكير بزيارة قصيرة إلى إيران قام بها هابرماس في 2002، فرآها دليلاً قاطعاً على مؤامرته الهادفة إلى «علمنة» إيران…. وسلوك كهذا جزء طبيعيّ من نظام المقاومة والممانعة، وليس عنصراً طارئاً عليه، يستغرب البعض وجوده فيه.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    10.11.2009

    Leave a Reply