• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الأمن الإنساني كمفهوم غير شامل

    بعد مفاهيم «التنمية» و«الامن البشري» و«التنمية البشرية» و«التنمية المستدامة»… يسود في الفترة الاخيرة استخدام مفهوم جديد هو «الامن الانساني»، كمفهوم محدث يحاول ان يجيب عن التعقيدات والتحديات الامنية الجديدة للقرن الحادي والعشرين، وأن يعبر عن الحالات المتصاعدة من العنف داخل الدول وبينها، بالاضافة الى قضايا الفقر والتهديدات البيئية والصحية والاتجار بالبشر والسلاح والمخدرات… وكلها انواع جديدة من المشكلات التي تتجاوز مفاهيم الامن التقليدية المتمركزة حول الدولة ومهامها التقليدية في حماية الافراد والمؤسسات والمجتمعات.

    شكل هذا المفهوم محور المناقشات التي حصلت في مؤتمر قطر الذي نظمته الأسبوع الماضي اللجنة القطرية الوطنية لحقوق الإنسان والمؤسسة العربية للديموقراطية حول: «التنمية الاجتماعية: من أجل رؤية جديدة للأمن الإنساني بالبلاد العربية ودول الشرق المجاورة»، في إطار التحضير لمنتدى المستقبل 2009 الذي سيعقد بالمملكة المغربية في بداية شهر نوفمبر المقبل.

    بداية استخدام المفهوم (لناحية التسمية)، حسب تقارير الامم المتحدة، كانت في «خطة السلام» التي دعا اليها امين عام الامم المتحدة بطرس غالي العام 1992، الا ان المفهوم لم يأخذ ابعاده المعقدة والمختلفة الا مع تقرير لجنة الامن الانساني الصادر العام 2003 الذي جاء تحت عنوان «الامن الانساني الآن»، وعرفت فيه الامن الانساني بكونه «حماية الجوهر الحيوي لحياة جميع البشر عبر سبل من شأنها تعزيز الحريات الاساسية والاشباع الانساني».

    اما «الحماية»، فتكون عبر ايجاد انظمة سياسية واجتماعية وبيئية واقتصادية وعسكرية وثقافية… تمنح الشعوب سبل البقاء والعيش الكريم.

    مفهوم «الأمن الإنساني» بات متعدد الابعاد ويعبر عن التصدي لأنواع متعددة من التحديات والتهديدات. بين هذه الأنواع، الأمن الاقتصادي ( يتمحور حول تهديدات الفقر والبطالة، الامن الغذائي (الجوع والمجاعات)، الامن الصحي (الامراض القاتلة المعدية والاغذية غير الآمنة وغياب الرعاية الصحية)، الامن البيئي (التلوث وتدهور واستنزاف الموارد)، الامن الاجتماعي (التوترات الدينية والمذهبية والعرقية وصراعات الهوية)، الامن السياسي (غياب الديموقراطية والقمع وانتهاك حقوق الانسان) والامن الشخصي ( العنف الشخصي والمنزلي وعمالة الاطفال والجريمة والارهاب…). يرتبط «الأمن الإنساني» بكل هذه التهديدات، ويحاول ان يضع الاستراتيجيات والسياسات لمعالجتها. واذ نجح مهندسو المفهوم بدمج كل هذه الابعاد مسفهين ضمنا البحث عن الاولويات بينها، كما كان يحصل عادة، الا انهم لم يبذلوا جهدا اضافيا لتمتين المفهوم من الناحية الفلسفية والفكرية، كعادة برامج الامم المتحدة عامة التي لا تعير اهتماما يذكر لهذه الجوانب الاساسية.

    فبقدر ما يبدو هذا المفهوم الاكثر شمولا وتعبيرا من مختلف المفاهيم التي صاغها خبراء الامم المتحدة في العشرين سنة الاخيرة، الا انه لا يزال يحمل الكثير من التناقض، ولا يزال بعيدا جدا لحمل خاصية المفهوم الشامل. وتعود الاسباب الاولى لهذا القصور، كونه لا يأتي من خلفية فكرية شبه شاملة ومتكاملة، بل من تراكم اجتهاد في العمل على بلورة مفاهيم تعبر عن حالات وتجارب متفرقة ومتفاوتة في احجامها ومواصفتها وأمكنة حدوثها.

    فالامن الانساني نفسه لا يزال متمركزا انسانيا وبشريا، ولا يأخذ بالاعتبار باقي الكائنات التي يشترك معها الانسان في الحياة والوجود. فالامن البيئي، على سبيل المثال، لا يمكن ان يتحقق اذا اعطى الانسان كنوع، الاولوية لنفسه. فالنزعة الانسانية نفسها، المفرطة في انسانيتها، هي السبب الرئيسي في تفاقم الكثير من المشاكل المذكورة المهددة للحياة. ولذلك كان يفترض ان يتم استخدام مفهوم «الامن الحياتي» بديلا عن «الانساني»، على قاعدة ان لا قيمة اعلى من الحياة نفسها.

    بالاضافة الى اوجه التناقض يغفل هذا المفهوم أنواع أخرى من الأمن، بينها الأمن النفسي او النفساني (السيكولوجي)، وهو نوع من المفاهيم لم يتم تناولها مطلقا في تقارير الامم المتحدة. ولا تزال معظم الدراسات التي تلزّمها برامج الامم المتحدة تفتقر الى هذا الجانب من العلم والوقائع… مع ان الكثير من المشاكل الأمنية التي تواجه العالم عامة والعرب خاصة، باتت نفسية وبحاجة الى معالجات على المستوى النفسي، وبينها عقدة الاضطهاد او عقدة المباهاة الفارغة او عقدة الشعور بالدونية عند البعض، وعقدة التفوق وحب السيطرة والتملك عند البعض الآخر… والتي تؤدي جميعها الى تهديد الأمن الحياتي عامة والبشري خاصة.

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    20.10.2009

    Leave a Reply