• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الصبي… وأمه

    لم يكن مبررا ان يعتذر رئيس تحرير صحيفة “الرياض” تركي السديري عن افتتاحيته التي طالب فيها بعودة لبنان الى سورية، فهو لم يعتمد – كما رأت المعارضة اللبنانية من باب الشماتة- مبدأ “من بيت ابي ضربت” لكنه كان يقرأ في كتاب الغالبية المفتوح الذي رفع شعار “أم الصبي” منذ سنوات الى الدرجة التي اوصلت كاتبا سعوديا الى المناداة بعودة الصبي الى أمه.

    السديري قال انه اخطأ في التصور والتعبير مغلقا الباب امام اي نقاش لافتتاحيته التي لا تحتاج عمليا الى نقاش لا في التصور ولا في التعبير، ومع ذلك فهو حر في قول ما يشاء واللبنانيون معنيون اكثر برصد تجربتهم “السيادية” ونتائجها التي ادت الى ان يسمعوا من “معسكر الاعتدال” العربي صوتا يدعوهم الى نسف كيانهم لا الى التخلي فحسب عن شعاراتهم في الحرية والاستقلال.

    بعد اتفاق الطائف كان رأس السلطة السياسية في لبنان الرئيس الياس الهراوي يتباهى دائما بمقولة ان اللبنانيين لم يبلغوا سن الرشد بعد وان “الصبي” ما زال في حاجة الى رعاية امه. وكانت امه اجرت سلسلة تفاهمات وصفقات واتفاقات شرعية وغير شرعية مع والده وزوجته الجديدة واعمامه واخواله تفردت بموجبها في تدبير اموره كي لا ينفسد اخلاقيا لان كثرة المربين “تنزع الصبي”، وكان اشقاء “الصبي” من والديه اكثر من ساعد على تكريس مقولة “عدم البلوغ” من خلال خلق وضع داخلي تأزيمي سياسا وامنيا يكرس الحاجة الى تدخل الام بالنصيحة والموعظة الحسنة او بالقسوة المطلوبة احيانا رغم تعارضها مع اساليب التربية الحديثة.

    وعندما تصبح الكلمة العليا مطلقة للأم، لا بد ان تكافىء اولادها الذين يسهلون مهمتها وتجعلهم اسياد البيت الحقيقيين ولو اضفت على هذا التسيد بعض الاضاءات الوهمية في نوافذ المشاركة. هكذا تم التجديد لرئيس الجمهورية (صاحب نظرية عدم البلوغ) في مقابلة صحافية اجراها الرئيس الراحل حافظ الاسد مع جريدة “الاهرام” المصرية، وهكذا تم التجديد لرئيس الجمهورية الذي تلاه بمقابلة مع قناة “الجزيرة” القطرية اجراها الرئيس الحالي بشار الاسد، وفي التجديدين كانت السلطة الفعلية في لبنان خارج نطاق الرئاسة او الرئاسات… كانت في يد الجهاز الامني السوري اللبناني الذي واكب عمل المقاومة ووظف تحركها اقليميا على جبهة المفاوضات مع اسرائيل وضبط تحركها على ايقاع الدور الاقليمي المطلوب للدولة الأم كي توسع رعايتها شرقا وغربا.

    بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، الرجل الذي كان يمشي بين الالغام لنقل لبنان من المزرعة الى الدولة، انتفضت غالبية اللبنانيين من اجل الحرية والسيادة والاستقلال. كانت قوة التعبير مذهلة لكن اشياء كثيرة اضعفت هذه الانتفاضة قد يكون اهمها على الاطلاق عدم تقدير حجم قوة شقيق الداخل على مساندة شقيق الخارج وعدم تصديق انه يمكن ان يعطل البلاد ويشلها ويعيد اللبنانيين الى مرحلة “عدم بلوغ سن الرشد” والحاجة الدائمة الى الرعاية الخارجية.

    في كل مرحلة من المراحل التي تلت انتفاضة الاستقلال كان اركان الغالبية السياسية يقولون انهم لا يمكن ان يواجهوا تحرك المعارضة السياسي والامني بالحدة نفسها لانهم “ام الصبي”. وهذا الكلام صحيح جدا اذا كان بهدف تراكم مشتركات وطنية على ثوابت كفيلة بنهوض لبنان وانطلاقه، وصحيح اكثر اذا كان الشعار جنب الغالبية ولبنان دفع ثمن كبير، لكن ما حصل فعليا هو ان الانقسام الوطني صار انقسامات وان الثمن الذي كانت الغالبية تخشى دفعه دفعت اكثر منه. تذكروا فقط تصريحات قياديي 14 آذار المتخوفة من انتخاب رئيس للجمهورية بنصف اعضاء البرلمان زائدا واحدا على رغم التأييد الداخلي والخارجي الواسع لهذه الخطوة. يومها قالوا ان ذلك يمكن ان ينهي مبدأ الشراكة الوطنية ويمكن ان يؤدي الى عمل مسلح ضد العاصمة. لم يحصل الانتخاب ومع ذلك اجتاح مسلحو المعارضة بيروت… ووضع المنتصرون شروطهم على الطاولة بالنسبة الى الشراكة: الاستلحاق.

    واسوأ ما في سياسة “ام الصبي” انها ادت الى ضرب مقومات ومبادىء دستورية تمس بنية النظام نفسه وتعيد انتاجه. سواء تعلق الامر بموضوع الحكومات وتشكيلها وقدرة اي طرف على تعطيلها او تحويلها الى مجلس ادارة للفيديراليات الطائفية، او تعلق باقفال البرلمان ومنع انتخاب رئيس للجمهورية، او بتفريغ العملية الديموقراطية الانتخابية من مضامينها وتحويلها الى فولكلور… كون السلطة تأتي من حامل البندقية وحلفه الاقليمي وليس من حامل التفويض الشعبي وبرنامجه الوطني.

    رئيس تحرير “الرياض” تركي السديري اخطأ مرتين: الاولى عندما دعا الى اعادة الصبي الى امه وتصحيح سايكس بيكو (بالنسبة الى لبنان وسورية فقط) كونه لا يستطيع ان يحكم نفسه، والثانية عندما اعتذر للبنان عن افتتاحيته بينما كان يجب ان يعتذر من سورية لان ما فعله لها حلفاؤها في لبنان وقواتها خارجه افضل الف مرة مما كان يمكن ان تفعله وقواتها في لبنان. حصدت المكاسب تلو الاخرى وهي تتفرغ لملفاتها الاخرى بينما لبنان في “أيد امينة”. تخيل يا سيدي رئيس التحرير لو ان القوات السورية هي التي اجتاحت بيروت في 7 ايار، هل كان بعض العرب والعالم اعتبر الموضوع “خلافا داخليا”؟ لو ان سورية ولبنان دولة واحدة… هل كان سيخطف الاجنبي في لبنان ويتحرر في سورية؟ لو ان سورية ولبنان دولة واحدة… هل ستشتعل “الجبهة السورية” لعبور الخط الازرق او اطلاق صواريخ مجهولة المصدر؟ هل سيتم التهويل على المواطن السوري – اللبناني بالاصوليات السنية وتفجيرات “القاعدة” ويؤسس شاكر العبسي عصابته في مخيم اليرموك ويطلق القذائف على الجيش السوري؟ هل وهل وهل…

    أخطأ تركي السديري في التصور والتعبير، واخطأ اللبنانيون في كل شيء إلا في… التعبير.

    علي الرز
    NOW Lebanon
    20.10.2009

    Leave a Reply