• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    دفاعاً عن لبنان العظيم

    قالت صحيفة “تشرين” السورية الرسمية: “ان النظام اللبناني بصيغته الراهنة غير قابل للحياة والاستمرار، وإنه يعيش حالة موت سريري، وإنه يتطلّب خطوة إنقاذ جذرية؛ بعد أن أصبح عصياً عن الترقيع، حيث لم تعد العقاقير المسكّنة قادرة على إنعاشه، وإن لبنان يواجه أزمة نظام وليس أزمة حكم”.

    لغة صحيفة “تشرين” السورية الرسمية، لغة وعظية، أبوية، بطريركية، مهيمنة، مترفعة، أو أنها لغة الأخ الأكبر القاهرة صاحبة القرار في شؤون الأخ الأصغر! لغة تذكّر بلغة “بريجينيف” الروسي السوفييتي مع باقي رؤساء الكتلة الشرقية، يوم كان على الأرض اتحاد سوفيتي وكتلة شرقية شيوعية أوروبية. ولقد دفن ـ الاتحاد ـ الكتلة ـ في التراب من دون أسف أو أسى على فقدهما، اللهم إلا من عشاق نبش القبور المنسيّة.

    لغة صحيفة “تشرين” السورية الرسمية، رِدّة عن اتفاق الطائف، وحرب على الدستور اللبناني، وإزاحة لمفهوم الدولة اللبنانية وسيادة مؤسساتها الديموقراطية.

    أظن أن صحيفة “تشرين” السورية الرسمية؛ ترضيها صيغة واحدة للنظام اللبناني، وهي بقاء لبنان في قلب الحوت “التشريني”، الذي سبق وأدخله إليه، وبقرار أميركي وموافقة إسرائيلية، وزير الخارجية الأميركي السابق السيد هنري كيسنجر سيئ الذكر، وأخرجه منه اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله.

    عندما أطلق شهيد حرية الصحافة المرحوم جبران تويني، قسمه التاريخي في ساحة الحرية، وختمه بجملة “دفاعاً عن لبنان العظيم”؛ لم يكن مجرد خطيب متحمس لثورة الأرز، وإنما كان فارساً يغرز علم لبنان في تراب شهدائه، فارساً سيروي بدمه الطاهر عطش اللبنانيين للحرية والسيادة والاستقلال، فارساً يؤكد أن عظمة لبنان في حرية نظامه، ووحدة مكوّناته المختلفة على كل شيء عدا تلك الحرية سرّ البقاء الحضاري للبنان واللبنانيين، وأن كان ثمة أزمة في النظام اللبناني، فهي في ضرورة منع تعدي الآخرين على حرية وليبرالية ذاك النظام، وليس في وجود تلك الحرية والليبرالية. وثمة أزمة في التجني عليهما ونعتهما بالفوضى العابثة واللاستقرار القلق، والمؤديتين الى حالة “موت سريري”، لا تنفع معه العقاقير المسكّنة”، وفق البلاغة المصطنعة لبعض الكتّاب والمحللين “التشرينيين” الذين لا يعجبهم ذاك النظام وليبراليته. لبنان عظيم بـ”طائفه” وبدستوره وبمسيحييه وبمسلميه، عظيم بمؤسساته الديموقراطية، مهما حاول البعض أن يقلل من جدواها، أو يركّز على مثالبها. وأتذكر هنا قول محرر مهم من القادة الذين حرروا بريطانيا وأوروبا والعالم من النازية السير ونستون تشرشل: “النظام الديموقراطي أقل أنظمة الحكم سوءاً عبر التاريخ”.

    الأقلية اللبنانية، قبل الأكثرية اللبنانية، تعرف أن “التشرينيين” لا يستطيعون أن يروا لبنان ليس جزءاً من سوريا الكبرى، وقد تمّ سلخه عنها من قبل الانتداب الفرنسي، وتعرف أيضاً أن “التشرينيين” يرون أن لهم حقاً واجباً لازماً بإدارة شؤون لبنان مباشرة أو مداورة. الفرق بين الأقلية والأكثرية أن الأقلية ممتنة لـ”التشرينيين” وعاملة على تجسيد هذا الامتنان بالالتحاق، أما الأكثرية فراغبة بالاستقلال وراغبة بعلاقات متكافئة ومتساوية، وهي تعتقد أن الأزمة أزمة حكم وليست أزمة نظام.

    السؤال الذي لا تريد الأقلية ولا ترغب في أن تطرحه على نفسها رغم أنه في ظاهرة افتراضي وطوباوي هو: إذا خيّرت الأقلية و”شعوبها” أن تعيش مع التشرينيين وعلى أرضهم ـ جغرافياً ـ وتحت نظام حكمهم المنتعش حياتياً والبعيد عن الموت سريرياً، أو أن تستمر في العيش في لبنان ـ جغرافياً ـ وفي ظلّ نظامه المصاب بالموت السريري كما يدّعي “التشرينيون”، ومهما كانت أحواله؛ فأي العيشين تختار؟ أنا كامل اليقين، أن الأقلية اللبنانية ستختار البقاء والعيش في لبنان الحرّ الفوضوي اللامستقر، وستعضّ على ذاك العيش بالنواجذ، وستدافع عنه بالروح وكل أنواع المال “حرامه” و”حلاله”. الأقلية اللبنانية تريد التمتُع بفضائل حرية العيش في لبنان، وفي الوقت نفسه تريد حيازة ميّزات الاستقواء بـ”التشرينيين” لتقوى وتبقى وهي بعيدة عن خبائث الاستبداد ورهبة شموليته. الأقلية اللبنانية تعلم علم اليقين أنها ما كانت لتوجد وتبقى وتقوى جغرافياً وسياسياً وسلاحاً ومالاً؛ لولا هذا اللبنان الحرّ “الفوضوي” و”اللامستقر”، ولولا نظامه “الميت سريرياً”. الأمر الذي تتجاهله الأقلية اللبنانية هو أن لبنان كان أكثر استقلالاً وحرية من أي كيان عربي آخر منذ عام 1860، عندما كانت الإمبراطورية العثمانية تحكم حكماً ثيوقراطياً مطلقاً باقي الكيانات العربية، كولايات تابعة بامتنان لعظمة السلطان خاقان البر والبحر والفضاء.

    لبنان هذا الجبل الصغير فرض استقلاله النسبيّ على الإمبراطورية العظمى، وحمته الدول المتحضّرة في العالم آنذاك من الإبادة الشاملة البشرية والجغرافية؛ تحت قانون دولي أوجب حماية الأقليات.

    لبنان هذا البلد الصغير مساحة، والكبير استراتيجيا من الناحية التاريخية ومن الناحية الجغرافية، بشرفته المطلّة على المتوسط بطول 220 كم، وبحدوده الخطيرة مع دولة العدوان الإسرائيلية، ودولة الأخ الأكبر الأعظم المرتفع الى درجة الأخ البطريركي الشامل. لبنان الكبير بتنوعه من الناحية الديموغرافية والسياسية، وبـ”شعوبه” وبـ”قبائله” المحكومة بدرجة عالية من حرية التعبير الغربية الحضارية، وبمستوى ناجح من حرية السوق الاقتصادي.. لبنان هذا من الدول القليلة التي صمدت في وجه الأزمة المالية الكارثية العالمية عامنا الراهن، هذا اللبنان بكلتي الحريتين المذكورتين؛ مميّز ومتقدّم عن كيانات إقليمية تتباهى بالاستقلال والاستقرار الجبري المنظم الشمولي، كيانات “عقائدية” صارمة دوغمائية وبلوكات خائفة مخيفة لا تحترم حرية شعوبها، وتمد أذرعتها، وتخيّر الجوار وجوار الجوار بين الاحتواء والهيمنة التامّين وبين الخنق والقتل عبر ترهيب مستدام.

    الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وفي ولايته الأولى؛ أصرّ أكثر من مرة على وجوب القضاء على الليبرالية اللبنانية. وهذا لن يتم لنجاد؛ إلا في إحدى حالتين، الأولى: تسييد النظام الشمولي على كل لبنان، والثانية إغراق لبنان في حرب اهلية قد تدوم مئة عام. مؤكد أن “الوهم” النجادي لن يتحقق، وسيبقى لبنان العظيم ونظامه السائد والليبرالي، مهما ادّعي أن الفوضى وعدم الاستقرار يحكمانه، ومهما أصرّ “التشرينيون” على أن نظامه ميت سريرياً.

    ما قالته صحيفة “تشرين” السورية الرسمية، لا ينسجم مع السياسة الرسمية للنظام السوري الساعي الى تفاهم لبناني سوري إيجابي، وإلى استقرار في لبنان؛ اعتبره الرئيس السوري بشار الأسد مصلحة سورية، ولا يتفق مع مسار سوري متجه الى حوار إيجابي مع أميركا، ولا يتقاطع مع رغبة حديثة تتواصل مع دول الاعتدال العربي. وبجملة واحدة، ما قالته “تشرين” مختلف عن خيار استراتيجي سوري جوهره السلام مع دول المنطقة كافة ومنها دولة لبنان العظيم بنظامه.

    أديب طالب
    جريدة المستقبل
    04.10.2009

    Leave a Reply