• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لــــبــنـــــان: نحــن فـــي حـــالـــة حـــرب

    نحن في حالة حرب. لسنا في حرب، بمعنى القتال بالأسلحة حتى ينتصر فريق على الآخر بالقوة. إنما نحن في حالة حرب، وهذا وضع مختلف.

    يرى المفكر السياسي المرجعي توماس هوبز (Hobbes) أن كل مجتمع، قبل انشاء الدولة، هو في حالة حرب الجميع ضد الجميع. وهي حالة بدائية دائمة، وليست ظرفية. ثم تنشأ الدولة، بشكل أو بآخر، من خلال فرض سلطة بالقوة و⁄ أو باتفاق الفرقاء في المجتمع على نظام محدد. والسيادة هي روح الدولة وأساس بقائها، كما اساس بقاء المجتمع السلمي. لا دولة بدون سيادة. وتتمثل السيادة بقوة عسكرية وتنظيمية، تحتكرها الدولة.

    في المجتمعات السياسية الحديثة، تستند السيادة الى الدستور، كمنظم للسلطة السياسية ولاستقرارها. وتنظيم السلطات الإجرائية والاشتراعية هي في صلب كل دستور. لدينا دستور مكتوب ومتّفق عليه في لبنان، إلا أنه غير نافذ. أي أننا نعيش بدون منظّم للحياة السياسية، بدون سقف، وكل الاحتمالات قائمة. أصبحت الحياة السياسية تُدار بالاجتهاد وليس بأحكام الدستور. عملياً، نحن في حالة حرب.

    صحيح، هناك دساتير غير مكتوبة، وأعراف. إلا أن هذه الأعراف تكتسب الشرعية والوضوح من خلال الممارسة المستمرة لفترة طويلة، ومن خلال موافقة سياسية وشعبية عامة. وهذا ليس قائماً في لبنان. فشعارات “الحوار” و”التوافق” أو “الشراكة” أصبحت تستعمل كبديل من أحكام الدستور، وهي في الواقع شيء آخر تماماً. فالحوار يستعمل بديلاً من المماطلة، والتوافق بديلاً من الفيتو.

    فلننظر الى السلطات الأساسية، الإجرائية والاشتراعية، كما تمارس حالياً في لبنان.

    مجلس الوزراء ينشأ دستورياً من قبل رئيس حكومة مكلّف، وذلك بالتعاون مع رئيس الجمهورية. وتتكرّس سلطة مجلس الوزراء بثقة مجلس النواب بالتصويت الأكثري. إلا أن الامور ليست بهذه البساطة. فالخيار الحالي هو لما يسمى حكومة “ائتلاف”، أي حكومة جامعة لممثلين عن كل الفرقاء السياسيين. جيد. إنما ما العمل إذا لم يوافق فريق سياسي على التركيبة المقترحة لمجلس الوزراء الجديد، خصوصاً في غياب آلية محددة للتوافق؟

    المنطق الدستوري، لا بل السياسي العملي، يقول بالاحتكام الى مجلس النواب. أما الواقع في لبنان فهو التخوف، إن لم يكن التخويف، بالويلات أو حتى بحرب أهلية إذا ما اتُبع المسار الدستوري. أي أن الدستور أصبح غير نافذ في ما يتعلق بتكوين السلطة الإجرائية بشكل مجلس الوزراء، وهذا أمر قد يتكرر في أي وقت أو مناسبة. كل الاحتمالات قائمة عدا تلك التي تم التوافق عليها مبدئياً بموجب دستور قائم، إنما غير فاعل.

    والدستور غير نافذ أيضاً بالنسبة للسلطة الاشتراعية. فمجلس النواب هو في جوهره مكان نقاش (أي، فعلياً، مكان الحوار بامتياز) ومكان تسوية النزاعات بدل انتقالها الى الشارع. والتئام مجلس النواب يكتسب ضرورة طبيعية وملحة في حال تدهور الأوضاع السياسية. هذه الوظيفة الجوهرية لمجلس النواب عُطِّلت، ويا للاسف، في حالات أُنشئت هذه الوظيفة تحديداً من أجلها، أي في حالات النزاع السياسي. وهكذا، اُقفل مجلس النواب اللبناني لسنة ونصف السنة في حين كانت قوى سياسية تقوم باعتصام شعبي في وسط العاصمة طوال الفترة نفسها، وفي حين كان الخلاف قائماً حول شرعية الحكومة وحول انتخاب رئيس للجمهورية. مُنع مجلس النواب من الالتئام حين كنا في أمسّ الحاجة اليه لمناقشة تلك الخلافات وتسويتها!

    طبعاً، عُطِّل مجلس النواب لتجنّب نتائج التئامه الطبيعي، وبالأخص لمنعه من انتخاب رئيس للجمهورية لا ترضى به القوى التي منعت التئام المجلس. أي أن احكام الدستور أصبحت غير نافذة في ما يتعلق بعمل السلطة الاشتراعية، وبانتخاب رئيس الجمهورية، وهذا أمر قد يتكرر في أي وقت أو مناسبة. وفي هذا السياق، هناك مفارقة كبيرة مستمرة منذ بدء عهد الطائف، وهي غياب مجلس النواب عن كل ما يمت الى السياسة الاقتصادية في لبنان، بشقيها المالي والنقدي. أليس مستغرباً أن تغيب أهم مشكلة مالية يعاني منها لبنان منذ الاستقلال، أعني مشكلة الدين العام، عن مناقشات مجلس النواب؟ كل المسؤولين يذكرون الدين العام ولا أحد يناقشه. منذ حوالى عشرين عاما لم يناقش مجلس النواب، حتى مرة واحدة، مسألة الدين العام. لماذا؟ السياسة النقدية هي أيضاً خارج نطاق المناقشة. حتى خلال أيام الحرب، في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ذهب حاكم مصرف لبنان ادمون نعيم الى مجلس النواب مرتين على الأقل للرد على أسئلة النواب عن السياسة النقدية المتبعة آنذاك.

    الديموقراطية، في جوهرها، مجموعة طقوس. وتتمحور هذه الطقوس حول انتخابات دورية حرة تستند الى مبادئ أساسية تم التوافق عليها وتتمثل بما يسمى الدستور. والأهمية الرئيسة للدستور أنه يحدّد قوانين اللعبة السياسية المتفق عليها لمنع النزاعات السياسية من التحول نزاعاً عنفياً وانهياراً للسلم الأهلي. الديموقراطية لا تعِد بالحقيقة، ولا بالعدالة، ولا بايصال اصحاب الكفاءة والحق الى السلطة، ولا بتجنب الخطأ في الاختيار. هذا ليس من شأنها. الديموقراطية، وبغض النظر عن دعوتها للحرية والمساواة في المواطنية، تقول بالأساس بتطبيق الدستور وبضرورة دورية الانتخابات الحرة. الشعب يختار كما يحلو له، ويتحمل عواقب اختياره، في كل مرة يختار “كما تكونون يُولّى عليكم”.

    أهمية الديموقراطية أنها، إذا احترم الجميع طقوسها، تعطيك السلم الاهلي. وهذا ليس بقليل. وفي لبنان، هذا كثير. منذ قدوم المنظمات المسلحة الفلسطينية الى لبنان في ستينات القرن الماضي والدستور لا يُطبّق عند الحاجة اليه. تُعلّق أحكام الدستور من قبل هذا الفريق أو ذاك حين التنفيذ لا يناسب اهداف المعطِّل. هل من جدوى من التكهن بما كان يمكن أن يكون عليه المسار اللبناني منذ مرحلة اتفاق القاهرة، أو بمدى القدرة آنذاك على تجنب الحروب التي أحرقتنا جميعاً، لو أن القوى السياسية اللبنانية التزمت الأحكام الدستورية؟ الجدوى هي، على الأقل، أخذ العبرة والعمل بها للمستقبل.

    نتكلم عن توافق وحوار ومشاركة. أما الواقع فحالة تجميد للسلطة الاجرائية ولمجلس النواب، وسوف يستمر التجميد أو يُستعمل من جديد كلما نشأت حاجة اليه. أحكام الدستور غير فاعلة وغير نافذة. نحن في حالة حرب.

    توفيق كسبار
    جريدة النهار
    01.10.2009

    Leave a Reply