• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    في سيرة احتضار الضمير العام

    ما يدعو للحسرة ان التعثر في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لم يعد يستفز اللبنانيين العاديين، صار التعطيل سمة ملازمة للديموقراطية اللبنانية، على الأقل في السنوات الأربع الاخيرة صار حالة اعتيادية، لم ولا ولن يحث هؤلاء اللبنانيين على التأمل والتفكير والتساؤل والتقرير.

    يكتفي اللبنانيون، حين يحشرون ويضطرون للإدلاء برأيهم، على هامش دردشاتهم السياسية العابرة، بتذنيب خصمهم السياسي، ثم يستأنفون حياتهم على ايقاعات اخرى. دجن اللبنانيون أنفسهم. دجنوا. لم تعد تهزهم سوى الحوادث الكبرى. تهزهم قليلاً فقط.

    يبدي اللبنانيون عموما لا مبالاة تجاه كيفية ادارة شؤونهم العامة المشتركة، رغم وعيهم المتقطع لمشكلاتهم، ولو لم يكن الامر، كذلك لما تدافعوا وتزاحموا، في الانتخابات النيابية الاخيرة على أبواب اقلام الاقتراع يسقطون فيها عصبياتهم المتعارضة وولاءاتهم المزمنة، مكرسين هيكليات الصراع وأدواته، ساعين بكل ما أوتوا من قوة الى ترجيح كفة من يناصرون ضد خصومهم المفترضين، ثم يستأنفون عاداتهم في التذمر والشكوى من عثرات حياتهم اليومية المتنوعة والمتزايدة، كأحوال منفصلة عن الشؤون العامة، عن مسؤولية ممثليهم السياسيين العامة.

    في مجتمعات الطاعة، يعتقد المحكوم ان قوة الحاكم متأتية من خارجه، من مكان آخر يتجاوزه ويفوته ويفلت من يديه، وانه ليس في مقدوره سوى اعلان رضاه، ولا تخالجه ولو للحظة واحدة فكرة انه يستطيع خلخلة سلطة «ممثليه» وإسقاط مشروعيتهم، بمعنى ان الهالة المحيطة بهم ليست من صنع يديه. يفتقر اللبنانيون الى مفهوم وطني للشأن العام، وإن حصل ووعوا الارتباط يقسمونه، من علياء عزلتهم الجغرافية والنفسية والسياسية، بين شأننا وشأنهم، وفي أسوأ الاحوال لا يربطون بين هذا الشأن وخياراتهم السياسية، ما يعنيهم هو لعب دور في حمأة الصراع والتحول الى لاعبين، واهمين ان اغراض ومرامي وغايات ممثليهم هي نفسها اغراضهم ومراميهم.

    ما يعنينا هو غياب الشعور بالمسؤولية العامة، تلك المسؤولية التي تشكل بمعنى ما نواة المواطنة، المواطنون غير مبالين والحكام يبادلونهم اللامبالاة، ويتمادون فيها، بل انهم يعملون كأن البلد مفرغ من سكانه، غير مأهول، كناية عن أرض بور.

    لنأخذ مسألة التأخير في تشكيل الحكومة الذي هو آخر مثال على ممارسات التعطيل والتسويف واللامبالاة إزاء الشؤون العامة المشتركة، بما فيها شؤون أهل الطائفة انفسهم، بقدر ما هذه الاخيرة متداخلة مع الشؤون العامة المشتركة، فمشكلة الكهرباء ومشكلة ارتفاع اسعار لا دين لها. في هذا التأخير موت جديد للشأن العام سبقته ميتات اخرى.

    رغم اننا واقعيون ونتوقع تكرر المناكفات والعرقلات الوزارية ذاتها، ولا نستبشر خيراً، فلا ننتظر مثلا ان تجد حكومة المستقبل حلولا لمشاكل الكهرباء والمياه والغلاء الفاحش وتدني الاجور وأزمات الصناعة الوطنية والزراعة والمبيدات الزراعية القاتلة (هل استوقفت هذه احداً!؟) ولا لمشاكل البطالة والهجرة، كما لا نتوقع طبعا ان تنكب الحكومة المنتظرة على قراءة خلاصات تقرير التنمية البشرية، ومن ابرزها تفاقم نسبة الفقراء في الشمال والجنوب، ولكن رغم ذلك يشكل عدم تشكيلها استفزازا نظريا ومبدئيا، كونه يكلل مسارا طويلا من اللامبالاة والاستخفاف بمصائر العباد.

    بتعطيل تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة تهتز مجددا في اذهاننا فكرة الدولة نفسها كناظم حيادي متجرد للحياة العامة المشتركة، ناظم يتعالى على مكونات المجتمع الاهلي: طوائفه وعشائره وعائلاته وأفراده، بمصالحهم الشخصية، على ان تتقدم مصلحة المجتمع العليا، مصلحة افراده مجتمعين، على مصلحة بعضهم او بعض فئاته، أي على ان يتقدم العام على الخاص.

    تهتز مجدداً فكرة الدولة اللبنانية كمساحة مشتركة للطوائف، كجامع لكيانات الطوائف، تفشل هذه الفكرة كما فشلت دائما. أليست الحروب الاهلية خير مثال على هذا الفشل؟ لم نكن بحاجة لهذه الوضعية الجديدة كي نتثبت من ذلك.

    وتهتز مع هذه الفكرة، فكرة التعويل على رجال استثنائيين مشبعين بروح المسؤولية العامة، يعملون على ترتيب البيت اللبناني بالتي هي احسن، وتحييد مساحات عامة مشتركة وحمايتها من نهب الطوائف، يسمونه في المعجم السياسي رجال دولة. رجالات استثنائيون، طالما لا مكان حقيقياً للنساء، يمكلون روح المسؤولية واستطاعوا خلسة عن السائد، التحصن بضمير عام. قلنا «ضمير»، هذا المصطلح الذي يحيلنا الى عالم مهجور، هو عالم القيم والاخلاق. والضمير تعريفاً هو وعي اخلاقي يجعل المرء يميز بين الشر العام والخير العام، ويقوم على محاكمة الذات ومحاسبتها كقاض، ويغير السلوكات والنيات وفق معايير الاخلاق والواجبات. نحتاج الى صرخة ضمير، تلك التي يعول عليها من تنقصهم الوسائل والامكانيات. إلا اننا نسترسل في الطوبيات!

    من يفتقد الى الشعور بالمسؤولية العامة يعتقد ان ما يفعله هو خير مطلق، محولا خيره الى خير مطلق، غير خاضع للتقويم او للمقارنة او لإعادة النظر… ضميره منفصل عن الجماعة العامة وحتى عن جماعته التي يحتقرها في داخله، رغم انه يدّعي احترامها والحفاظ عليها وحمايتها.

    ينم هذا السلوك المزمن عن احتقار اصلي لمفهوم العام، الذي يعود للشعب، كل الشعب عن فقدان الروح العامة.

    وبالمحصلة، اذا جلنا في بعض الجوانب المؤسسة للتعطيل واللامبالاة نجد أنفسنا على تماس مع هوية النظام السياسي اللبناني، الذي يقوم على مبدأ الحرص على حقوق الطوائف، والذي يصب غالباً في الحفاظ على مصالح فئة معينة من الطائفة. ولكن هذا الحرص لم يصل ولا مرة بسلام الى مبتغاه ووجد نفسه في كل مرة امام طريق مسدود، جارفاً الحقوق العامة، حقوق كل الناس، معلناً احتضار الشأن العام المشترك وتلاشي المسؤولية الوطنية.

    عايدة الجوهري
    جريدة السفير
    24.09.2009

    Leave a Reply