• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    تجديد الشهابية أم نهاية الدولة الفاشلة؟

    اننا نعيش اليوم ازمة تشكيل الحكومة المستمرة منذ اكثر من شهرين ونصف، وهذه الازمة ليست الا مولودا حديثا من الازمة الأعمق التي يعيشها لبنان منذ صدور القرار1559 في ايلول 2004. فهذا القرار اعتبره البعض الركيزة الاساسية لاستعادة لبنان حريته وسيادته وتاليا استعادة لبنان قدرته على حكم نفسه من خلال مؤسساته بدلا من الاستمرار محكوما بمعادلة او بمعادلات اقليمية، ولا دور للمؤسسات سوى اقرار او اسباغ الشرعية القانونية على ما تنتجه التوافقات الاقليمية. اما البعض الآخر فقد اعتبر ان هذا القرار هو اعتداء صريح على سيادة لبنان وهو يهدف الى نقله من جبهة او محور الى جبهة او محور آخر في” الصراع الاقليمي” الذي نتج عن الغزو الاميركي للعراق في اطار ما سماه بوش “الحرب على الارهاب”.

    هذه الازمة تضاف الى ضعف المؤسسات اللبنانية الدستورية والادارية والعسكرية والى “عمالة السياسيين”، فرضت او تسببت بالاصطفافات الحادة التي شهدها لبنان وتحولت عملية تخوين متبادلة وتحويل كل طرف شيطانا او مشروعاً شيطانياً في وجه الطرف الآخر وهو ما دفع الطرف الأكثر تخوفا او الطرف الذي يشعر انه ضعيف في المعادلة او الصراع الاقليمي الى عملية تصعيد جعلت لبنان يشهد اعنف موجة مواجهات واغتيالات وتفجيرات اضافة الى شلل تام للمؤسسات انتهى بإحداث فراغ في رئاسة الجمهورية لمدة سبعة اشهر، ومن ثم استعمال الحرب الاهلية بكل بساطة لـ”الدفاع عن الموقع الاقليمي” تحت عنوان اسقاط المشروع الاميركي في لبنان. وهذا الصراع اتخذ في لبنان نتيجة ضعف الاحزاب السياسية ونتيجة عسكرة بعض الطوائف شكل صراع سني- شيعي مقيت وبدأت ترتسم حتى في العاصمة بيروت حاضنة التنوع ومنارة الاشعاع والحضارة خطوط تماس جديدة في احيائها الغربية وتم الاتفاق على نشر الجيش وفقا لهذه الخطوط.

    اذا وكما في المراحل السابقة من تاريخ لبنان الاصطفافات الداخلية هي نتيجة صراع اقليمي او صراعات اقليمية وليست وليدة الصراع انطلاقا من مطالبات داخلية باصلاحات او تعديلات على النظام السياسي وتحسين فرص هذا النظام في استيعاب ابنائه. ولكن كما في كل مرة يطرح الصراع الاقليمي تحديات على النظام في قدرته على استيعاب نتائج هذه الصراعات او خلق توازنات تمنع الانفجار نتيجة الصراعات بين المحاورالاقليمية.

    وحتى لا نطيل كثيرا في تقديم مظاهر الازمة نسارع الى القول ان اتفاق الدوحة أرسى اول مراحل التوازن انطلاقا من نقاط ثلاث هي: اولا الاحتكام للانتخابات وفق قانون فرضته مجموعة 8 آذار بقوة السلاح، وثانيا عدم الاحتكام مجددا الى السلاح طالما ان الانتخابات ممكنة وثالثا حصول 8آذار كممثل للمحور الاقليمي على حق الفيتو تحت عنوان الثلث المعطل. اي ان الثلث المعطل كان عمليا نقطة التوازن الوحيدة التي ارتضاها المحور المسلح كمخرج من حدة الصراع، وهذا يعني ان احد اطراف الخارج الاقليمي صار لديه صيغة جديدة لادارة الوضع اللبناني في مواجهة القرار 1559 ونتائجه. يجب النظر الى الثلث المعطل ليس كمطلب لطائفة (مع ان البعض تدغدغه هذه الاحلام) ولكن كمطلب اقليمي لاعادة ادارة الملف اللبناني (عمليا عودة لبنان ملفا في الصراع الاقليمي) وذلك في مواجهة مرحلة الانتظار التي افرزها التغيير في الرئاسة الاميركية والسياسة الخارجية الاميركية. وهذا الثلث المعطل الاقليمي صار مدخلا ايضا لمعادلات عربية- عربية في التعاطي مع الازمة اللبنانية ونتائجها.

    الحجر الاساس في كل هذه العملية هو انتقال المقاومة من حركة شعبية لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي للاراضي اللبنانية الى حزب (مركزية صارمة) مسلح او جيش صغير يعتبر نفسه جزءا من مواجهة اقليمية ودولية تهدف الى اعادة صياغة المنطقة من خلال التغيير الحاصل في العراق. وبذلك تأخذ المقاومة دور الدولة واختصاصها.

    والطريف في هذه العملية هو ان الاحزاب والحركات التي تقدم نفسها على انها تمثل “الطائفة الشيعية” تتخذ في لبنان موقفا معارضا او متعارضا مئة وثمانين درجة مع موقف “الطائفة الشيعية في العراق”. وبرز ان الحرب الاهلية في العراق اهدافها معاكسة تماما للحرب الاهلية في لبنان، اي ان الحرب الاهلية في العراق كانت لتعطيل حصول الطائفة الشيعية على حقوقها من خلال دستورجديد، بينما في لبنان كانت الحرب الاهلية تهدف الى تعطيل الدستور والمؤسسات الدستورية بأيدي “الطائفة الشيعية”، وهذه طبعا من تناقضات لعبة الانظمة والمنظمات التي تعيشها المنطقة والتي لايمكن فهمها الا من خلال الحركية او النضالية الايرانية التي اخذت في العقد الماضي دور التيارات القومية العربية وخصوصا دور الناصرية مع محاولة تحويل حركات المقاومة حركات ايديولوجية، اي تقاتل لأجل الايديولوجيا وليس لاجل الارض والوطن.

    ولعله من المهم ان نلقي الضوء على انعكاس تطورات هذه الازمة على الشيعية السياسية التي بدأت مع السيد موسى الصدر تؤكد على نهائية الكيان اللبناني والانخراط في مشروع الدولة مع علاقات مميزة مع سوريا، اي عمليا اولوية مشروع الدولة والانخراط به على متوجبات الصراعات الاقليمية والتي -اي الشيعية السياسية- تنتهي اليوم بتقديم موجبات الصراع الاقليمي على متطلبات مشروع الدولة.

    هذا التغيير العميق في واقع الشيعية السياسية لا يعني ان المشروع الوطني لم يعد مهما الا انه يجب ان يفسح المجال لمتوجبات الصراع الاقليمي- الدولي واذا كان شلل المشروع الوطني او شلل الوطن يخدم الصراع الاقليمي رغم اضراره الكبيرة على البلاد فان الشلل يصبح سياسة عامة. وهكذا تبرز الحاجة اكثر فاكثر الى “نوع من توازن” خصوصا بين متطلبات الحركية النضالية الايرانية والمحور السوري- الايراني وبين موجبات مشروع بناء الدولة او على الاقل عدم انهيار ما تبقى منها. وهذا النوع من التوازن هو بالضبط ما عكسه القرار 1701 والذي تراجع فيه “حزب الله” كمقاومة عن كل منطقة جنوب الليطاني لقاء انهاء حرب تدميرية كانت تهدد بنهاية للدولة اللبنانية او بقاياها.

    هذا النوع من التوازن الذي ساهمت فيه الدول العربية بدور فعال بالاضافة الى اعضاء مجلس الامن الدائمين، اعاد الى الدولة اللبنانية الدور الاول في موضوع السيادة على الجنوب وتاليا اعطاها احد اهم مفاتيح السيادة. ولكن مع الوقت تبين ان اجهزة هذه الدولة وتجهيزاتها ليست بعد مؤهلة لهذا الدور بل انها تتعرض من الداخل لضغوطات تهدف الى اعادتها الى مستوى اللاعب الثاني جنوب الليطاني، وليس اللاعب الاول كما يريد القرار 1701، وهذا الموضوع ظهر جليا في الاحداث التي تبعت انفجار مخزن السلاح في خربة سلم والذي سلط الضوء اكثر فاكثر على ان الوقت لم يلعب لمصلحة اجهزة الدولة اللبنانية، بل على العكس ظهر وكأن هذه الاجهزة تلقي المسؤولية على القوة الدولية وقد تعرضت لنقد شديد منها ولو ان هذا النقد لم يظهر بوضوح في تقارير الامم المتحدة حرصا على القرار 1701 وعلى مهمة القوة الدولية.

    الملمح الآخر او الانعكاس الآخر على الشيعية السياسية تمثل ولأول مرة في تاريخها بالانحراف او الانجراف الى نظام فيديرالية الطوائف بدلا من النظام البرلماني الجمهوري والدولة المركزية. والواقع ان الادوار انعكست تماما فالذين وقفوا ضد التقسيم (كشعار سياسي) صاروا اليوم رواد نظرية الكانتونات الطائفية واللامركزية الموسعة واعتبار الديموقراطية تجمع طوائف بدلا من نظام برلماني. اما الذين كانوا مع التقسيم وفكرة الكانتونات فقد تابوا توبة نصوحا وعادوا الى فكرة الدولة المركزية. اما الشيعية السياسية فقد تخلت عن نظرية الدولة المركزية وتبنت نظرية فيديرالية الطوائف وحق كل طائفة “كبرى” بأن يكون لديها فيتو على الدولة والقرارات المتعلقة بالحكم وكل ذلك كما رأينا خدمة للمشروع الاقليمي الذي يريد الحق بأن يكون صاحب كلمة او صاحب قدرة على التعطيل في ما يتعلق بقرارات الدولة الاساسية.

     ولكن الاخطر هو الميل الى رسم حدود الكانتونات واقعيا على الارض فالبعض يقول إن هنالك العديد من مشاريع البنية التحتية والمشاريع العمرانية عملت على رسم حدود الكانتون الشيعي بعدما رسمت الحرب الاهلية حدود الكانتون المسيحي، وبدأت محاولات رسم حدود الامارة الاسلامية السنية خاصة في الشمال، وبذلك تاخذ نظرية فيديرالية الطوائف شكلا جغرافيا ايضا يضاف الى الشكل السياسي الذي تطرحه بقوة الشيعية السياسية وهي شكل مجلس رئاسي مقنّع حيث لكل طرف حق الفيتو كما المجلس الرئاسي السويسري.

    ان النتيجة المباشرة لهذه النظرية وللكانتونات المكرسة واقعيا كصورة عنها تبرز اليوم في تعزيز الاصطفافات الداخلية بدلا من التخفيف منها، وفي اعطاء الصراعات التي ادت الى هذه الاصطفافات ابعادا داخلية تحول كل طائفة جيشا للكانتون. اي ان الطائفة لم تعد تحتمل الحياة المدنية بكل ما تحتويه من قدرة على ادارة التنوع والتعدد في وجهات النظر والاحتكام الى الدستور والقوانين في الصراع، صار الاحتكام الى السلاح هو القاعدة وكلما حصلت مشكلة صغيرة ام كبيرة نجد أن التلويح بـ”7 ايار” صار شعار المرحلة ونجد، وهذا هو الاهم ان الحوار السياسي معطل او ممنوع بدليل ان جلسات الحوار طوال سنة في قصر بعبدا لم تتوافرعلى اي نتيجة بل كانت جزءا من عملية فولكلورية هدفها تكريس زعامات الكانتونات في هيئة تحل محل الهيئات الدستورية ومؤسسات الحكم.

    صار الحوار هو القدرة على جمع زعامات الكانتونات فقط وليس القدرة على انتاج برنامج للحكم او برنامج لحل المشاكل الاساسية المطروحة امام اللبنانيين، وصار من الملح والمهم جدا لاجل عودة أولوية الدولة المركزية في لبنان محاصرة الأسس الواقعية التي تقوم عليها الكانتونات وكذلك العودة بالزعامات الطائفية والمذهبية الى الحدود التي لاتجعلها معرقلة لقيام الدولة المركزية وهذا هو المنطلق للتخفيف او لالغاء الاصطفافات الداخلية الناتجة عن الازمة الاقليمية.

    ان أزمة تشكيل الحكومة حاليا وان استطاعت ان تحل مسألة الثلث المعطل بالاتكال على دور رئاسة الجمهورية كضامن لجميع الاطراف فانها تصطدم بزعامات الكانتونات وطريقة تمثيل هذه الكانتونات، اي اننا نشهد صراعا او”جدلا” بين الدولة المركزية ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف وكل كانتون على حدة، مع تصور اصحاب كل كانتون ان لهم الحق في تسمية الوزراء والحقائب وفرض صيغ البيان الوزاري وحتى فرض الموازنات التي يريدونها ويسمون بدون خجل كل ذلك “حقوقا” لهم على حساب الدولة المركزية ومؤسساتها.

     عمليا ما تبرزه أزمة التشكيل هو ان رئيس الحكومة المكلف مثلا لا يقدر على اقتراح شخصية فكرية وثقافية من وزن امين معلوف وزيرا للتربية لان في ذلك تعديا على الكانتونات التي تعتبر ان لها وحدها الحق في التسمية وتوزيع الادوار وبذلك تكون الدولة المركزية مجرد تجميع رغبات ومتطلبات زعامات الكانتونات وليست مرآة لوطن يتطلب الى النهوض من الحرب الاهلية.

     بالنتيجة نعود الى السؤال الاساسي: كيفية الخروج من الاصطفافات الحالية والجواب واضح، وهو ان نهاية الصراع الاقليمي اي الاتفاق الاميركي – الايراني، والاميركي السوري ينهي هذه الاصطفافات ليعود لبنان الى وضعه الطبيعي وسياساته المحلية الطابع. ولكن السؤال الأهم هو هل يعود لبنان دولة مركزية قوية كما هدف اتفاق الطائف ام يستمر تجمع كانتونات مذهبية جاهزة لتلقف اي صراع الاقليمي؟ والجواب هنا لا يحتمل الكثير من النظر وليس لنا سوى التجربة الشهابية مرشدا او دليلا. فلبنان فقد مع نهاية التجربة الشهابية منذ اربعين سنة اي منذ توقيع اتفاق القاهرة قدرة الدولة على القرار الامني السيادي ولم تسترجع الدولة حتى اليوم هذا القرار الامني الذي بقي بأيدي منظمات ارتباطاتها الاقليمية اهم من المصالح اللبنانية. ان اهمية تجربة شهاب في الحكم هي قدرته على استعادة القرار الأمني للدولة اللبنانية من القوى الاقليمية المتصارعة بمساعدة اكيدة من عبد الناصر الذي ابدى تعقلا وحصافة في فهم الخصوصية اللبنانية.

    اما اليوم ومع ضعف الحضور المسيحي في لبنان فلا احد يريد تفهم الخصوصية اللبنانية سوى من منظار اعطاء الكانتون المسيحي وليس الدولة اللبنانية بعض امكانات الحياة او توفير هذا الكانتون نظريا من نتائج الصراعات الاقليمية او انعكاساتها، وهذا هو جوهر التفاهم بين “حزب الله” والعماد ميشال عون وهو تفاهم لا تتفهمه الاطراف المسيحية الاخرى وخصوصا البطريركية المارونية التي تصر على دور لبنان وليس على دور للمسيحيين فقط.

    من هنا الحل الوحيد للاصطفافات الداخلية يبقى العمل على انتاج شهابية جديدة كان الرئيس ميشال سليمان قد وعد بها، ولكن يبدو حتى اليوم ان توافقية الرئاسة اصبحت عائقا امام بناء التجربة الجديدة وليست ديناميكية تغيير حقيقية.

    الرئاسة لا قيمة لها في غياب الدستور او بتعليق الدستور، والتوافقية اليوم تحاول ان تفرض على الرئاسة وضعا غير مسبوق لناحية ان كل طرف يملك دستورا خاصا به ويريد ان يخضع الرئاسة والجيش له: هنالك دستور مركزي ودستور فيديرالي وهنالك مواجهة بينهما. الرئيس شهاب كان يقول دائما بـ”الكتاب”، اي اعتبر نفسه حكما حقيقيا في ما يقوله الدستور ودفع الجيش في اتجاه الغاء خطوط التماس الداخلية لا تكريسها.

    اليوم لدى الرئيس سليمان بالتعاون مع الجميع وخصوصا الاكثرية النيابية فرصة لتجديد الشهابية اي تجديد الدولة المركزية لكن ذلك لن يكون الا بالاصرار على الغاء كل مظاهر فيديرالية الطوائف وبالاصرار على تحجيم زعامات الطوائف ورفض وادانة كل مظاهر دفع الدولة الى الفيديرالية.

    المهمة شاقة والتجربة قد تكون صعبة في غياب تيارات شعبية توحيدية وعابرة للطوائف لكن فؤاد شهاب نجح في فترة قياسية في بناء مؤسسات الدولة وانقاذها، والفرصة في تقديرنا متوافرة للرئيس سليمان بالتعاون مع الاكثرية النيابية وفي محاولة وضع حد لانجراف الشيعية السياسية مع تأكيد
    أساسي على سلامة وتميز العلاقة مع سوريا.

    الأخطر ان يفشل الرئيس سليمان ومعه كل تيار الاصلاح السياسي في استعادة وحدة اللبنانيين لان ذلك يعني حربا اهلية متجددة سيدفع الجميع ثمنا لها، لكن الحضور المسيحي في لبنان سيكون الاكثر تضررا بعد كل النكبات التي حلت به.

    محمد عبد الحميد بيضون
    جريدة النهار
    17.09.2009

    Leave a Reply