• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    حدود الحرية الإعلامية

    عندما دعيت من قبل الـ«بي بي سي» للمشاركة في برنامج «أجندة مفتوحة» حول حرية التعبير، تسنّى لي الاطلاع على ملف برنامج «أحمر بالخط العريض» الذي تسببت حلقته الأخيرة بإقفال محطة LBC في جدة، لخرقها التقاليد الاجتماعية في المملكة، لأن ضيف الحلقة «جاهر بالرذيلة». ولقد شغلت هذه القضية الرأي العام السعودي، وأثارت نقمة عارمة في المملكة، وأشعلت نقاشات حامية حول الموضوع في الصحف، وفي مجال الإعلام والإنترنت، وعلى المستوى الرسمي، تعبيراً عن رفض ما اعتبر تعريضاً بالمجتمع السعودي وأخلاقه.

    وأكد عدد من المحامين عزمهم رفع دعوى ضد الشركة المشغلة، بسبب إخلال القناة بالعقد العام الذي يقضي بعدم بث قضايا تمس الحياء العام، والتزامها بالآداب العامة، وعدم خدش الحياء. ولقد تم إطلاق حملة إلكترونية على الفيس بوك ضمت مئات الإعلاميين والإعلاميات، لإظهار رفضهم لما يتبناه البرنامج من توجه يسعى لإظهار المجتمع السعودي بالشكل المغلوط والسلبي، أو تكريس أي صورة سلبية مغايرة لحقيقة المجتمع السعودي.

    طالما اعتدنا في العالم العربي على الرقابة، وعلى قمع حرية التعبير من قبل السلطات والأنظمة الحاكمة، لكن الجديد اللافت في الآونة الأخيرة، أن الطلب على الرقابة يأتي من المجتمع، بحيث أن تحرك السلطات الرسمية السعودية، جاء كردة فعل على التحرك الإعلامي عبر ما يشبه اللوبي ضد البرنامج والمحطة. الأمر الذي يستدعي وقفة للتأمل في أسباب ردة الفعل هذه. لذا حاولت فهم سبب ردة الفعل القوية عبر متابعة موضوع الحلقة المعنية، وكيفية معالجتها. وتبين لي أن موضوع الحلقة كان في الأساس معالجة موضوع «اللذة الجنسية» بجرأة بالطبع، ومن دون «خطوط حمر» كما اعتاد البرنامج. ومن الممكن معالجة مثل هذا الموضوع بالطبع، لكن بطريقة متزنة، وعبر شهادات من أزواج عاديين (يظهر من يريد وجهه ويمتنع من يريد)، أو أي أشخاص آخرين، لكن ضمن التزام الهدف المعلن.

    لكن ما حصل على ما يبدو أنه تم خلط عدد من القضايا أدت إلى ما آلت إليه الأمور. أظهر مواطن سعودي وهو يتحدث عن ميوله وممارساته الجنسية. وتم تصوير المقابلة في شقته الخاصة، وظهر فيها وهو يتحدث عن علاقاته مع سعوديات، ويظهر أدوات جنسية يستعملها خلال هذه الممارسات. وهنا تعدّت الحلقة موضوعها، ولم يعد الأمر متعلقاً بمناقشة موضوع جنسي بجرأة من أجل «توعية» الجمهور، أو تشجيعه على التعبير عن مشاكله لمواجهتها، بل صار نوعاً من استعراض ذكوري، قام به شاب يفاخر بتعدد علاقاته الجنسية خارج إطار الزواج، (وهو متزوج وأب لأربعة أطفال) في مجتمع محافظ يخضع لقوانين صارمة!! وكأن هناك إيحاء بأن اللذة الجنسية لا تأتي إلا عبر «الخيانة الزوجية»! وهو موضوع يتطلب معالجة على حدة.

    والسؤال هنا في الحقيقة هو هل كانت مثل هذه المعالجة للموضوع سترضي ذائقة مشاهد أميركي عادي؟ وهل المتعة مرتبطة بالعلاقات المتعددة التي تسمى ببساطة «خيانة زوجية»؟ هل كان التباهي والاستعراض اللذان طبعا المقابلة سيرضي ممثلات الحركات النسوية مثلاً في الغرب؟ نفس الغرب المسيحي الذي ناضل طويلاً، لكي يحصل على الحق بالطلاق من الكنيسة منعاً «للخيانة» الزوجية، لكي لا يعمم سلوك مازن المتباهي؟

    هذا من ناحية، أما السبب الآخر الذي يفسر ردة الفعل العنيفة، فهو كون القناة فضائية لبنانية، أي غير سعودية. ما جعل من السهل توجيه تهمة التعدي على خصوصيات المجتمع السعودي من قبل «غرباء»، وبروز الشعور بالاستهداف. وهذا ما يؤكد بروز الشعور «الوطني» في الدول العربية الذي كانت تسميه أدبيات القوميين العرب «الشعور القطري». لكن ما العمل؟ يبدو أن الدولة الوطنية تترسخ، وتأخذ شرعية إضافية عند مواطنيها وتدعم شعورهم بخصوصياتهم الذي يثير عندهم الإحساس بالاعتداء والتدخل من قبل دولة عربية أخرى!

    السؤال هنا هل الرد على برنامج تلفزيوني مسيء بالمعايير الوطنية أو الاجتماعية يكون بإقفال المحطة، ومنع البرنامج والادعاء عليها ومحاكمة الشاهد؟ إن القنوات التلفزيونية هي أكثر من يلجأ في بلادنا إلى الإحصاءات التي تسمى sondage، لمعرفة عدد مشاهدي برامجها ومدى نجاحها في استقطاب جماهير المشاهدين، لأن ذلك كله مرتبط كما نعلم بالتسويق والإعلانات وبملايين الدولارات. والبرنامج الناجح هو الذي يستقطب أكبر عدد ممكن من الإعلانات فيه. وعلى كل حال تم تهديد المحطة بمعاقبتها برفض شركات الإعلان السعودية التعامل معها، الأمر الذي يشكل خسارة مالية كبيرة للمحطة في رمضان.

    إذاً ألم يكن مقاطعة البرنامج أو المحطة من قبل المشاهدين عقاباً كافياً لكي تعيد النظر في برامجها وتوجهاتها؟ واللجوء إلى القضاء، عندما لا ترتدع بعد تحذيرها.

    لكننا هنا ربما أمام ظاهرة عربية بامتياز، يحب المشاهد العربي التمتع بالمشاهد الساخنة، سواء أكانت عبر برامج أو كليبات أغانٍ ومطربات، فهذا الشارع العربي نفسه أطلق ظاهرة اسمها «هيفا» عبر تهافته على أغانيها، فيما يدينها ويتحسر على مستوى الفن الهابط في نفس الوقت! وهو يرغب كثيرا بمتابعة الفضائح على الفضائيات وغيرها، لكن تلك التي تمس «الآخرين» فقط. هذه ازدواجية وخشية من تأمل أو مواجهة أنفسنا.

    وهذا ليس تبريراً للقناة أو إيجاد مسوّغ لعدم احترام الأخلاق العامة من قبل محطة تحترم نفسها. ولا الحث على الابتعاد عن الحس السليم. فالإعلام ليس للتسويق فقط أنه لخدمة المجتمع أيضا، وعلى البرامج أن تعي هدفها وتعمل من أجل المصلحة العامة، وليس انتقاء كل غريب وإظهاره وكأنه القاعدة.

    ومع أن المشاهد ليس قاصراً لكي نمنع عنه ما يسيء، لأنه غير قادر على الاختيار، وعلى التحكم بسلوكه بنفسه، لكن شعار الحرية مرتبط بالمسؤولية، ليس هناك من حرية من دون حدود، الحدود هي التزام قول الحقيقة والمسؤولية تجاه الرأي العام في نفس الوقت.

    منى فياض
    جريدة أوان
    22.08.2009

    Leave a Reply