• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    شيء ما.. وخطير.. حدث في إيران

    في حديث له لإحدى القنوات التلفزيونية، صوّر علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري مرشد الثورة الإيرانية الوضع القائم في إيران، بأنه عادي وطبيعي. وإنها ليست المرة الأولى التي ترتفع أصوات معارضة من داخل النظام، حتى في حياة الخميني كان هناك معارضون له.. ومما قاله: إن رفسنجاني هو رجل إصلاح «تحت جناح النظام». وإن الذين خرجوا إلى الشارع لا يتعدى عددهم المئات، ووصفهم بالمشاغبين.. وإن الـ14 مليونا الذين صوتوا لأحمدي نجاد لم يتظاهروا.. وقد أورد ولايتي في دفاعه عن النظام الحاكم في إيران والتخفيف من أهمية ما حدث، حججا تبدو في ظاهرها معقولة أو منطقية، ولكنها ليست كافية لحجب أهمية، بل خطورة، ما حدث ويحدث في إيران منذ إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة. كقوله, مثلا: إن ما حدث من اصطدامات وشغب في طهران شهدت مثله أرقى الدول الديموقراطية في الغرب ـ فرنسا، مثلا.. وإن اعتقال المشاغبين في الشوارع تدبير أمني متبع في أرقى الدول.. وإن الانتخابات كانت مثالية.. وإن الضجة العالمية إنما هي تدخل دولي في شؤون إيران الداخلية.. وإن إيران لا تشكل تهديدا لجيرانها.. وإن الدول الغربية تريد منع إيران من التطور (التجارب النووية).. وإن إيران ستواصل الاستراتيجية التي وضعها الخميني ويستمر خامنئي في تنفيذها، وتقضي فيما تقضيه دعم حماس وحزب الله وكل مقاومة لإسرائيل.

    ولم يمضِ على هذا الحديث أربع وعشرون ساعة حتى كان رئيس الجمهورية المنتخب أحمدي نجاد يقيل قريبه ونائبه الأول في الحكومة، ثم يعينه مستشارا له، وحتى كان رجال الدين المحافظون يوجهون اللوم إليه بسبب تقاعسه عن تلبية أوامر المرشد الأعلى، وحتى كان أحمدي نجاد يقيل أحد وزرائه بسبب مخالفته له في مجلس الوزراء. أما المعارضة الإيرانية التي يتسع نطاقها يوما بعد يوم, فلا شيء يدل على أنها طوت أوراقها وانسحبت من الشارع والجامعات، بل العكس هو الأصح.

    نعم, إن إيران بعد الانتخابات الأخيرة هي غير إيران قبلها، وما «فجرته» الانتخابات ليس نتيجة للاديموقراطية الانتخابات ورفض المرشحين فوز أحمدي نجاد، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية وردات فعل عليها، داخل النظام وبين رجال النظام, وفي صفوف المعارضين الإصلاحيين والراديكاليين للنظام. أما الأسباب التي دفعت إلى الانتفاضة الأخيرة فمتعددة، منها: سياسة العداء السافر والتناحر المستمر بين إيران والدول الكبرى والمجتمع الدولي, التي أدت إلى حالة عزلة دولية. ومنها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي لا يكفي لتحسينها توزيع المساعدات النقدية المباشرة على المواطنين. ومنها هدر أموال الدولة، القوات المسلحة (مليون جندي وحرس)، ودعم حركات المقاومة في لبنان وفلسطين. صحيح أن ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأخيرة عزز دخل الدولة، ولكن تدنيها مؤخرا حرمها من هذا الدخل، وضاعف من حدة المشكلات الاجتماعية. إلا أن من أهم أسباب معارضة النظام هي قضية الحريات العامة، فنظام الحكم الإيراني مقبوض عليه من قبل رجال الدين من جهة، وقيادات الحرس الثوري من جهة أخرى. وبين «تيوقراطية» النظام المجسمة في «ولاية الفقيه» و«عسكرية» النظام المجسمة في الحرس الثوري, لم يبقَ للديموقراطية وللحريات العامة والخاصة إلا مجال هامشي ضيق، يختصر في انتخابات «يغربل» المرشد الأعلى أسماء المرشحين فيها, ويأمر رئيس الجمهورية المنتخب بإقالة أو تعيين الوزراء.

    إن كبار رجال الدين، أمثال خاتمي ورفسنجاني وخروبي وموسوي, ليسوا كـ«شريعتي» و«مجاهدي خلق»، معارضين راديكاليين لنظام ولاية الفقيه, ولكنهم معارضون لأحمدي نجاد. وقد يتمكنون، ربما, من قطع حبل تأييد المرشد الأعلى له. ولكن هل هذا كل ما يطالب به الجيل الجديد من الإيرانيين، في عصر العولمة والإنترنت والفضائيات وحقوق الإنسان؟ هل المطلوب «إصلاح النظام» أم «تغيير النظام»؟ ذلك أن الثورة الإيرانية بلغت الثلاثين عمرا، وفي هذه الحقبة شهد العالم تحولات دولية وعقائدية وتكنولوجية غيرت مجرى العلاقات بين الدول، وربطت بين مصائر كل الشعوب وفتحت العقول والنفوس (عن طريق وسائل الإعلام والاستعلام والتواصل) في كل الدول، على كل ما يجري في كل الدول. وبديهي أن تكون الأجيال الإيرانية الطالعة متململة ـ إن لم نقُل ثائرة ـ على النظام التيوقراطي ـ الميايشيوي الذي يحكمها.

    ثم إن مشكلة أحمدي نجاد ونظام الحكم الإيراني لا تقتصر على انتخابات يشكك في صحتها، أو على هذه المشكلات والاضطرابات الداخلية, بل تتعداها إلى مشكلاتها الإقليمية والدولية التي سببتها سياسته النووية من جهة, وتصديره لمبادئه الثورية للخارج ودعمه لحركات المقاومة في المنطقة, وللقوى المناوئة للأنظمة الحاكمة.. ولا ننسى المناورات الإسرائيلية الرامية إلى إحراج النظام الإيراني ودفعه إلى مزيد من الاستعداء للولايات المتحدة، وإلى مزيد من التعطيل لعملية السلام بين العرب وإسرائيل. هل يستطيع الرئيس الإيراني المجددة ولايته أن يحارب على كل الجبهات التي كانت مفتوحة قبل تجديد ولايته, وتلك التي فتحت بعد الطعن في انتخابه؟ هل سيتركه المرشد الأعلى حرا في اختيار وزرائه ومستشاريه, ومواصلة السياسة التي اتبعها في ولايته الأولى؟ هل سيقف إلى جانبه في المعركة الداخلية الجديدة التي سيواصل المحافظون والإصلاحيون والليبراليون شن هجومهم عليه؟

    إذا كان الوصول إلى رئاسة الجمهورية في إيران يمر بباب المرشد الأعلى, فإن مقام المرشد ونظام ولاية الفقيه يتطلب رئيسا للجمهورية لا يضعفه, بل يعززه. خلاصة الأمر: لا يبدو وضع الرئيس أحمدي نجاد, بعد كل ما حدث، في مستوى قوة تصويت الـ14 مليون ناخب إيراني له.. وقدرة مجابهة كل القوى السياسية التي تعارضه.

    وإن «شيئا ما» وخطيرا حدث في إيران.

    باسم الجسر
    جريدة الشرق الأوسط
    31.07.2009

    Leave a Reply