• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    على دروب الهاوية

    يكثر التهليل في الفترة الاخيرة لتطور مهم في موسم السياحة لهذا العام، لناحية الزيادة في اعداد السياح والحجوزات في شركات الطيران والفنادق وعودة المغتربين… كما يتوقع كثر ان تنشط السياحة البيئية ايضا. ويفهم من السياحة البيئية عندنا تلك الزيادة نفسها في زيارة المحميات الطبيعية. أما ما هي انعكاسات السياحة التقليدية البيئية وكيف تدار هذه المحميات وما هي الفلسفة من حماية بعض المواقع في لبنان والعالم بشكل عام، في وقت تتم استباحة كل شيء تقريبا… فأمر يبدو حتى اشعار آخر من خارج اهتمام الوزارات المعنية والمهتمين عندنا!

    فوزارة السياحة لا تهتم إلا بتشجيع السياحة التقليدية المكلفة جدا على البيئة اللبنانية والتي لا يستفيد من عائداتها إلا فئات قليلة، بينما يقتصر فهم وزارة البيئة للسياحة البيئية على الاهتمام ببعض المحميات، دون ان تشمل باقي القطاعات ذات العلاقة.

    يعتبر تعبير «السياحة البيئية» تعبيرا متناقضا، لا بل مخادعا، تماما كتعبير «التنمية المستدامة» الشهير، الذي حاول تلفيقا لا توفيقا، ان يجمع المتناقضات، «التنمية» التي تعني زيادة ما على حساب الطبيعة، و«حماية البيئة» التي تتطلب وقف او منع او التحكم بأي زيادة تترك انعكاسات سلبية على البيئة.

    فالسياحة نفسها، تعني زيادة حتمية في عدد الناس وضغطا استثنائيا على الطبيعة. انها تعني اولا زيادة في الطلب على الموارد كافة وضغطا على الهواء وزيادة في استهلاك المياه، وزيادة في حركة النقل الجوي والبري والبحري، التي تتسبب بتلويث الهواء بشكل كبير، بالاضافة الى الزيادة في استهلاك الطاقة التي تتسبب ايضا بتغير المناخ ومشاكل اخرى كثيرة. الزيادة في اعداد السياح تتطلب ايضا زيادة في استخدام وسائل النقل والتسبب بأزمات سير وزيادة في الانبعاثات وتلوث الهواء والامراض الناجمة عنه.

    كما ان زيادة اعداد السياح تعني زيادة في الاستهلاك وفي انتاج النفايات وارتفاع كلفة معالجتها.

    ولعل المشكلة الاكبر والمسكوت عنها عادة في التقارير الرسمية، هي تلك الزيادة الضخمة في استهلاك المياه لاسباب سياحية، التي باتت تقارب المعدلات الكبرى المستهلكة في الزراعة. فالسياحة، ولا سيما تلك المتزايدة عادة في فصل الصيف، تزيد من استهلاك المياه ولا سيما في المسابح الخاصة (التي يفترض ان تتغير مياهها باستمرار)، بالاضافة الى الاستهلاك الكبير في الفنادق والمطاعم… بالاضافة طبعا الى الزيادة في انتاج مياه الصرف الصحي والتسبب حاليا في تلويث البحر او الوديان (والمياه الجوفية)، ولاحقا اذا ما تم انشاء محطات معالجة لهذه المياه، زيادة في استهلاك الطاقة وفي كلفة معالجة الوحول الناجمة عن هذه المياه.

    ولكي لا ندخل في تفاصيل كثيرة اخرى، يمكن الاكتفاء بذكر هذه المشاكل التي تسببها السياحة التقليدية للتأكيد على حجم المشاكل البيئية التي تتسبب بها، وحجم الضغوط والآثار السلبية التي تتركها على الطبيعة. فكيف تكون السياحة «بيئية»؟

    هل مجرد زيارة بعض الاشخاص لاماكن محمية يعوض كل تلك الخسائر؟

    ثم كيف يمكن حماية مواقع وأحراج في ظل ممارسات وتغيرات هائلة تحصل في المحيط؟ فإذا سمح بالصيد في اماكن قريبة من المحميات (اذا لم نقل داخلها)، على الطريقة اللبنانية، الا يؤدي ذلك الى انقراض بعض الطيور في المحمية وخارجها؟

    وإذا استخدمت جميع انواع المبيدات الزراعية في الاماكن الزراعية القريبة من المحميات الا تقتل حشرات معينة داخل المحمية وتتسبب في اختلال توازناتها. وكذلك الامر بالنسبة الى نيران الحرائق التي لا تميز بين اماكن محمية وغير محمية، ومسألة تغير المناخ، السابقة الذكر، التي تشمل انعكاساتها أي شيء وأي مكان.

    فالسياحة لا تكون بيئية الا اذا حصلت تغييرات في كل السياسات التنموية والاقتصادية… وليس عبر إنشاء المحميات فقط. فلكي تتحضر السياحة، علينا ان نغير في السياسات المائية واتباع اجراءات توفيرية وترشيدية في الاستهلاك مختلفة تماما، وكذلك الامر بالنسبة لسياسات النقل والطاقة. نحو تغيير سياسات النقل ودعم النقل العام السياحي وتخصيص أماكن وممرات في الأماكن الطبيعية والأثرية لا تدخلها سيارات خاصة ويتم تزويدها بالطاقة من الريح او الشمس او قوة دفع المياه… بالإضافة إلى التغيير في السياسات الزراعية نحو تشجيع ودعم الزراعات التقليدية البرية والبعلية الوطنية التي لها طعمها الخاص والمميز…الخ

    ولكي يحصل هذا التغيير، يفترض ان تتغير الرؤية عند البيئيين اولا وعند الوزارات المعنية ثانيا، التي لا تزال تنظر الى السياحة البيئية من خلال سياساتها تجاه المحميات، وتعتبر الحصول على تمويل محدد من جهات مانحة لادارة هذه المحميات، انجازا!

    هذا اذا غضضنا الطرف عن طريقة ادارة هذه المحميات وكيفية تعيين اللجان والتمويل، وكيفية تلزيم الدراسات وتمويلها ايضا… والتي تحتاج الى اعادة تقييم شاملة، بعدما تبين ان هناك تراجعا مستمرا في احوال البيئة في لبنان وتدهورا مستمرا في صحة المحميات بسبب السياسات السابقة الخاطئة. وما انتشار بعض الحشرات واليباس الذي يضرب ارز بعض المحميات سوى مؤشر على سوء الحال، قابل للتفاقم اكثر مما هو قابل للتراجع.

    بالاضافة الى الاخطاء في سياسات العزل التي مارستها الادارات البيئية منذ تأسيس المحميات، التي روجت لثقافة خاطئة تقوم على عزل الناس عن الاماكن المنوي حمايتها بدل مساعدتهم على البقاء في المكان وحمايته.

    فالاستمرار في السياسات التقليدية السياحية والبيئية الخاطئة، التي تستنزف الموارد بدل ان تحميها وتحافظ على استدامتها، قد يفقدنا أهم ميزة من ميزاتنا التفاضلية في المنطقة، وهي الطبيعة اللبنانية. والسير في نفس السياسات، يعني السير الى الهاوية وليس الى أي مكان آخر، كما يعتقد هواة المشي في الطبيعة وعلى الدروب القديمة.

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    28.07.2009

    Leave a Reply